إحرام الكعبة واستقبال الحجاج في مكة قديما (5-5)

كتب ابن جبير في رحلته عن موسم الحج في مكة المكرمة، وبدأ مشاهداته بوصف رفع أستار الكعبة وهو ما تعارف المكيون والحجاج على تسميته بإحرام الكعبة وكان ذلك في 27 ذي القعدة، ويتحدث عن الاختلاف الواقع في رؤية هلال ذي الحجة وموقف قاضي مكة جمال الدين من ذلك.
وينقل مشاهداته بعد انطلاق مواكب الحجاج إلى عرفات، والحجيج فيها، ومن أجمل ما وصفه في عرفات مخيم أمير الحج العراقي والذي كان ينوب عن الخليفة في الحج، ويحمل كسوة الكعبة من بغداد، حيث يصف ذلك المخيم بقوله "أحدق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة أو بستان أو زخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة، وهي كلها سواد في بياض، مرقشة كأنها أزاهير الرياض، وقد جللت صفحات ذلك السرادق من جوانبه الأربعة كلها أشكال درقية، ولهذا السرادق الذي هو كالسور أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة، يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم يفضي منها إلى الفضاء الذي فيه القباب، وداخل تلك الأبواب حجاب الأمير وخدمه وغاشيته، وهي أبواب مرتفعة يجيء الفارس برايته فيدخل عليها دون تنكيس ولا تطأطؤ، أدير ذلك كله بتدبير هندسي غريب".
ثم يصف مراكب أمير الحج العراقي ومن معه فيقول "لهم في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الأعواد يسمونها (القشاوات) وهي كالتوابيت المجوفة تكون لركابها من الرجال والنساء كالمهد للأطفال، تملأ بالفرش الوثيرة، ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح، وبإزائه معادلة وعندما يصلان إلى المرحلة التي يحطان بها، ضُرب سرادقهما للحين إن كانا من أهل الترفه والنعم فيدخل بهما راكبين وينصب لهما كرسي ينزلان عليه، فينتقلان من ظل قبة المحمل إلى قبة المنزل دون هواء يلحقهما ولا خطفة شمس تصيبهما، وناهيك من هذا الترفيه فهؤلاء لا يلقون لسفرهم وإن بعدت شقته نصبا ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا".
ونلاحظ أن ابن جبير ذكر أن كسوة الكعبة تتنقل بتنقل أمير الحج أي أنها تكون في مخيمه بعرفات، ثم تنتقل معه إلى منى، وفي يوم النحر تحمل إلى مكة، حيث يقول عن ذلك "وفي يوم النحر سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراقي إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية" ويؤيد هذا القول ما نقله بعض المؤرخين أن كسوة البيت فيما مضى كان يطلع بها أمير الحج معه إلى الموقف بعرفات فإذا كان يوم النحر يأتي بها من منى إلى مكة المكرمة لأجل اللبس، ثم صار أمراء الحج بعد ذلك يضعونها في الكعبة قبل الصعود للحج وسبب ذلك أن بعضها سرق في بعض السنين من محلة أمير الحج بمنى، ثم عاد إليه بمال بذله.
ملمح آخر أشار إليه ابن جبير وهو إتاحة الفرصة لبعض العلماء من خارج مكة للوعظ في الحرم المكي خلال أيام الموسم، سواء كان وعظهم بالعربية أو لغة غيرها، ومن ذلك ما ذكره عن عالم خراساني، حيث يقول "نصب منبر الوعظ أمام المقام، فصعد واعظ خرساني حسن الشارة مليح الإشارة، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان فصيح المنطق، بارع الألفاظ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم إطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا" ثم يقول "وفي الليلة الأخرى صعد شيخ أبيض السبال رائع الجلال بارع التمام في الفضل والكمال فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة، ثم تصرف في أساليب الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا، حرك بها القلوب، وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بالجواب السريع البليغ، فكأنما هو وحي يوحى".
والحقيقة أن ما وصفه ابن جبير مستغربا، كان أمرا معتادا في مكة، حيث جرت العادة وحتى وقت قريب أن تتاح الفرصة لأي عالم له قدرة على التدريس والوعظ في الحرم خلال فترة إقامته بمكة، بل كان أول من يحضر لدى الزوار من العلماء كبار علماء الحرم، وإذا رأوا فيه تميزا حثوا طلابهم على التوجه إليه، والأخذ عنه ويعدون تلك فرصة نادرة لتلقي العلم، وذلك أحد الروافد التي أكسبت العلماء المكيين تنوعا معرفيا وثقافيا متميزا، كما جعلهم على علاقة بعلماء المسلمين في كل أصقاع الأرض على اختلاف مشاربهم ولغاتهم.  

makkawi@makkahnp.com

رحلة ابن جبير.. حكايات مكية عن تاريخها (1-5)
المطاف المرصوف وقباب الحرم المكي في رحلة ابن جبير (2-5)
توثيق الأحداث المكية ونقشها على أعمدة الحرم (3-5)
ليالي مكة الرمضانية وصلاة العيد بحكاية ابن جبير (4-5)
إحرام الكعبة واستقبال الحجاج في مكة قديما (5-5)