هذا توفيق من الله
الأحد، ٣٠ نوفمبر ٢٠١٤
والله إني لأرثي لحالنا نحن المواطنين السعوديين بجرينا اللاهث، وبحثنا الدائم عن بطل أسطوري خارق يعطينا بعض حقوقنا، فنرفعه على أكتاف الأقلام، ونحرق مقلتيه بعدسات كاميرات التصوير، ونستشهد وندلل به وبأعماله على جودة الصناعة والتجارة والتقدم والإتقان بأكمل وأجمل أوجهها بيننا.
فما إن نشاهد طيف فارس يلوح من بعيد، إلا ونتجمع في استقباله مصفقين مهللين مكبرين، منشدين الأشعار الشعبية المكررة البليدة، وننتشي ونطير في العجة، ولا نكاد نوقع، ونكرم جواده الأبيض بقوالب السكر، من قبل أن يمتلك أرض الميدان، ومن قبل أن يظهر لنا كامل قدراته وأعماله المتميزة الخيرة.
فمنذ أن فرغت الساحة برحيل آخر الفرسان غازي القصيبي رحمه الله، والذي أسعدنا بالظفر في معارك عدة، أصيبت أحداقنا بالجفاف، وحلمنا بعودته، أو بمجيء من يشبهه، وطال انتظارنا طويلًا، فكلما مر من جوارنا وزير، قلنا هذا هو الفارس المرشح، وكلما سمعنا عن عمل مميز قلنا هذه سيرة البطل بعينه، الذي سيعمل لنا من الحبة قبة، وسيريحنا من وعثاء حِلنا وترحالنا، ومن سيهون علينا وعورة ما شقينا به في حياتنا بين تلك الوزارات المصابة بالفصام، والتي نظل نشحذ منها خدماتها، وهي تبدع في تعذيبنا، وإذلالنا، وتفهيمنا أن خدماتها فضل تجود به علينا، رغم أنها قد حولت جزءًا كبيرًا من هم أعمالها على مسؤولية المواطن البائس من خلال مواقع الوزارات الالكترونية.
أنا لست ضد أن ينال الوزير الجديد التعزيز والتشجيع، ولكني ضد المبالغة في أن يكون حكايتنا في صحافتنا وكافة وسائل إعلامنا، وكأنه يقوم بما لا يتوجب عليه القيام به تفضلًا.
الوزارة مسؤولية وأمانة تلتوي بعنق الوزير، وإجادة عمله فيها من أهم واجباته الرئيسية، ومتطلب أساسي لاستمراره في المنصب؛ وإبداعه إن حصل فهو ميزة تحسب له ولتاريخه الوظيفي، وهو يستحق الثناء، ولكنا لا نريد إشعاره بأن ما يقوم به تكلفة إضافية عليه.
وبالتالي فإننا لا نريد أن يكون تشجيعنا له عاملا من عوامل التصاقه بكرسي الوزارة إلى أجل غير مسمى.
أما إذا كنا نحاول من خلال الحديث عنه وعن بطولاته تحميس الوزراء الآخرين ليدخلوا معه في منافسة، فهذا شيء قد يكون له بعض فائدة، ولكنا نخشى من كثرة المبالغة أن نخرج عن المصداقية، وأن نصيب الوزراء الآخرين بالإحباط، بأن العملية ليست إلا مجرد قبول، أو عنصرية نزاولها في حقهم، كما نزاولها في مختلف شؤون حياتنا مثل عنصرية الألوان للفرق الكروية؛ والتي تسببت في ضياع وتحدر المنتخب، الذي من أجله وجدت الفرق.
لنثني على المحسن، ولكن بدون نفخ أوداج مرضي، يؤدي لما هو أسوأ، بأن يصبح الأعور في ديرة العميان بصيرا.
وتذكروا فإن العمل الوزاري توفيق من الله، وفوزان في الدنيا وفي الآخرة لعل كل وزير أن يزين بهما ربيعه.