الآن الآن الآن... يا "أم الدنيا"!

فلنعترف أن معظمنا (معشر الكتاب والمحللين »فيذا«) طار في عجة »الربيع العربي«، وأضحك واستضحك وهو يهرف بما لا يعرف في الشأن المصراوي، بدافع صادق من حبه لـ(حلوة الحلوات)! وبما أننا شعب »الفقاقيع« الأعظم، والجمهور »الكِتْكِت« الوفي؛ فقد هللنا وصفقنا (رغم مجلس شورانا) لمحاكمة الرئيس/ »محمد حسني مبارك«، المتنحِّي بإرادته قبل أن يُخلع، بشهادة اللواء/»عمر سليمان«، و»الراجل اللي وراه«! 
وتحت هدير العاطفة لم نسمع صوت العقل وهو يتساءل: هل قامت الثورة لإدانة الرئيس ونظامه والانتقام منهما؟ أم إنها قامت لتغيير واقع مصر، وبناء مستقبلها على أرض جديدة بيضاء، وليس على أنقاض، ولا في »شبوك« الدولة، منذ انقلاب »العسكر« (1952م)؟
ولأن »المايكرفون« بيد مدغدغي العواطف الجماهيرية جاءت إجابة (الإخوان) على السؤال الأول: (نعم بشدة وإرهاب)! ولم يعيروا اهتماماً للأغلبية غيرهم التي كانت تسأل: طب وبعدين؟ مفيش بعدين.. جاءت الحركة المحظورة سنين طويلة لتنتقم لنفسها فقط: بمحاكمة (عبيطة) للرئيس، سُلِقَ »سيناريوها« على عجلٍ (كبرامج التلفزيون السعودي في رمضان)، ولم يعتبر (الإخوان) من رعونة الإدارة الأمريكية (الداعمة لهم) في محاكمة »صدام حسين«، والتي كان يكشف (عبطها) سؤال واحد: وفق أي قانون تحاكمونه: دستور وقوانين نظامه الذي أسقطتموه؟ أم وفق دستورٍ جديد لم تقم »الدولة« البديلة بعد لتعتمده؟
ولهذا اصطدم حزب (الحرية والعدالة) فوراً بالقضاء المصري، الذي يشهد التاريخ أنه مستقل: لا تستخفه عواطف الجماهير، ولا تخيفه ديكتاتورية رئيسٍ، كان أول مراسيمه: تحصين قراراته؛ نتيجة ما نسميه (العمى الفرعوني) الذي أنساه أنه جاء بانتخاب »الشعب« الذي صنع ثورة (25 يناير)! فكان لا بد أن يسقط (العبط) وتعود للقضاء والقانون »دولتهما« المحروسة!
وجاءت الأحكام ببراءة الرئيس (المتنحي) ونظامه طبيعية لمن لديه أدنى إلمامٍ بالتاريخ، والقوانين الدولية. وكانت شجاعة المستشار/ »محمود الرشيدي« وهو يتلو قرارات المحكمة ويشرحها (غير ملزم بذلك)؛ نتيجةً لهيبة القضاء المصري، وقوة شخصيته، وأنه في أحلك الظروف لا يخاف في الحق لومة لائم!!
وقد أعاد المصريين ومن يشاركهم (في حبِّ مصر كثيرة العشاقِ) إلى سؤال الثورة الأوحد: طب وبعدين؟ والإجابة الوحيدة عند »ظل التاريخ«/ »نيلسون مانديلا«!!