حالة تسلّل "Offside" كوميديا سوداء عن حقوق النساء في إيران
الأحد، ٣٠ نوفمبر ٢٠١٤
في عام 2005م، وأَثناء لقاء فريق كرة القدم البحريني ضد فريق إيران في المباراة التأهيلية لبطولة كأس العالم، تجري أحداث فيلم «حالة تسلّل» Offside للمخرج الإيراني جعفر بناهي، الذي ينقلنا إلى كواليس ملعب طهران الدولي، ونعلم أن نتيجة تلك المباراة كانت فوز إيران وتأهلها، لكن الذي لا نعرفه هو ما جرى ويجري مع كل مباراة تقام في إيران، تلك الحرب الضروس بين الفتيات الراغبات في الحضور إلى الاستاد ومشاهدة المباريات حية أمامهن، وبين العسكر المأمور بطرد أي فتاة تقترب من أسوار الملعب.
إذن، يحكي الفيلم عن فتيات مولعات بلعبة كرة القدم، وقد اعتدن التسلل إلى استاد آزادي في طهران وهن متنكِّرات على صورة صبية مراهقين أتوا لمشاهدة مباريات كرة القدم، وبطبيعة الحال يكشف الفيلم بأن هؤلاء الفتيات يلجأن إلى التنكر بسبب أن النساء ممنوعات من دخول الملاعب في إيران.. وهكذا يرصد الفيلم معضلة بسيطة وينثر حولها تساؤلات كبرى تتعلق بوضع المرأة الإيرانية، وبنظرة الأجيال الناهضة للقوانين المعمول بها في إيران الخاضعة لسلطة الفقهاء الدينيين، فمن خلال متابعة فتاة؛ لم تساعدها قبعة البيسبول التي ترتديها ولا الأصباغ التي لطَّخت بها وجهها من التخفي، فما أن دخلت الملعب حتى تم اكتشافها ونقلها إلى شرطة الآداب مع مجموعة من الفتيات الأخريات قمن بنفس الجنحة، وتم نقلهن إلى مركز خاص تم إعداده بشكل فجائي في جانب الاستاد لتجميع الشابات الإيرانيات اللاتي لم يخضعن للقانون الذي يمنع المشجِّعات من دخول الملاعب.
فيلم (حالة تسلّل) كوميديا سوداء بأسلوب الواقعية المحدَّثة.
ذلك الأسلوب من الإخراج الذي أَصبح تقليدا في السينما الإيرانية، بعدما رسخه المخرج عباس كياروستامي، ولا سيما أن بناهي البالغ من العمر 48 عاما خاض تجاربه الأولى في مجال الفيلم التمثيلي كمخرج مساعد مع كياروستامي.
لهذا استند في أَفلامه إلى ما اتّبعه كياروستامي من أُسلوب روائي هادئ يوحي بدرجة كبيرة بأن الأحداث تم تصويرها في مواقع حقيقية من أحداث حقيقية واقعية، وأن ما يشاهده المتفرج ما هو إلا توثيق بلغة السينما التسجيلية بكل معطياتها الدرامية الطبيعية المؤثرة، بكاميرتها المحمولة وأصواتها الطبيعية وإضاءاتها غير المصطنعة.
بطلات الفيلم، كما أراد لهن جعفر بناهي، يعبرن بطريقتهن الخاصة عن حالة الغضب والاستنكار والاحتجاج، في حالة واقعية تعرفها البلاد منذ ثلاثين سنة، فكلّ واحدة منهن لديها براهينها الخاصة في تعرية النظام المعمول به، تقول إحداهن «ما هذا الهراء، في دور السينما مسموح لنا أَنْ نجلس بجانب الرجال، فيما تكون الصالة مظلمة، وهنا في ملعب الكرة حيث الأضواء تضيء كل شيء غير مسموح لنا في الجلوس بمفردنا».
كذلك يثبت المخرج في اختيار شخصيات فيلمه من الرجال قدرته على توظيف الأشخاص العاديين ليقوموا بالأدوار الرئيسية والفرعية.
إذ ينقل بصورة رائعة هؤلاء الممثّلون الشبان غير المحترفين إحساسا مفعما بالحياة، مطبوعا بطابع الحنين إلى السلام والاستقرار في أَرض وطنهم، يعترض أَحد الجنود المأمورين بحراسة الفتيات قائلا بخجل، لا بدّ من حماية النساء من قباحة المشجِّعين المعربدين، فتردّ عليه الفتاة الطهرانية الواثقة بنفسها، مزمجرة بشدّة «هؤلاء إخوتنا وهم يحترموننا ويخافون علينا أكثر منكم».
ويوضِّح بناهي في حديث صحفي، كيف ارتبط إنتاج هذا الفيلم بالأَحداث الواقعية: (لو أَنَّ إيران خسرت أَمام البحرين، لما كان لي أَنْ أُصوِّر الفيلم حتى النهاية، إذ إنَّ الفرحة العارمة بعد الفوز بالمباراة التأهيلية كانت ضرورية جدا من أَجل قصّة الفيلم).
الفيلم نال جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي الدولي في عام 2006، ووقع عليه الاختيار الرسمي لمهرجان نيويورك السينمائي الدولي ومهرجان تورنتو السينمائي الدولي.
وهو يعتبر استكمالا للخط الذي سار عليه في رفضه للتقاليد والنظم السائدة في المجتمع الإيراني.