يا مرزوق إن جميع الموظفين مشغولون

مرزوق ذلك الذي هو أبسط مما تظنه أنت وأنا، ومرزوق ذلك الذي هو في بساطته تلك هو أعمق وأقوى مما تظنه أنت وأنا.. يتصل بشركات المفترض أن تقدم له خدمة عبر الهاتف فيجد ذلك الصوت الذي يخبره بحزم «مؤدب»: إن جميع الموظفين مشغولون بخدمة عميل آخر. أو يقول له فور اتصاله ولا يمهله (ليلقي عليه التحية صباحا أو مساء أو عيدا أو .. بالطبع هو يعرف أنه آلة ولا إحساس هناك ولا تجاوب ولكنه يفكر بذلك من باب.. لا أدري من باب ماذا)، يقول له: سيستغرق الرد عليك 20 دقيقة. وينتظر مرزوق إن أراد الانتظار، ويبدأ ذلك الصوت الحازم المؤدب بسرد مزايا وعروض تلك الشركة وسياستها في التعامل مع العملاء الكرام الأكارم الأجلاء.. ويفكر مرزوق أثناء انتظاره-الحازم المؤدب أيضا فهو ليس أقل من ذلك الصوت الآلي حزما وأدبا- يفكر أثناء ذلك في إحساسه بضياع دقائق كثيرة طويلة ينتظر أن يرد عليه صوت ليس آلة، ويشعر بمشكلته ويتجاوب معه ويقدم له ما يريد من خدمات دون أن يضطر مرزوق للاتصال مرات ومرات ليسمع: عزيزي العميل إن جميع الموظفين مشغولون بخدمة عميل آخر سيستغرق الرد عليك 7 دقائق..10 دقائق.. 20 دقيقة.. انتظاركم محل اهتمامنا.
وينتظر مرزوق ويعبث بما هو أمامه من أوراق أو أشياء، ويشاهد مقطعا يعرض على شاشة التليفزيون إن كان في المنزل، أو يستمع إلى حديث من حوله من أصدقاء أو زملاء إن كان خارج المنزل، أو يصلح ما يحتاج إلى إصلاح من أدوات في سيارته القديمة أو أدراج مكتبه المهترئة.. ويظل يفعل كل ذلك وهو يستمع لذلك الصوت الآلة «يتحايل» عليه ليبقى «على الخط» وجميع الموظفين مشغولون.. وأحيانا تنتهي دقائق الانتظار- الحازم المؤدب - بانقطاع الخط ولا يعرف مرزوق لماذا! هل تعب الخط أم تعب الصوت الآلة من انتظار مرزوق و»طول بال» مرزوق وسذاجة مرزوق! فيعاود مرزوق الاتصال بهم. ماذا يفعل غير ذلك فهو يريد خدمة ويحتاجها؟. ويعود ليسمع ذلك الصوت ويشعر بأنه يألفه ويألف طريقة نطقه للكلمات ويظن مرزوق أنه يشعر بذلك الصوت وكأنه ليس آلة أبدا.. حتى إنه يتعاطف معه - مرزوق مع الصوت الآلة وليس العكس- وحتى إنه يكاد يتحدث معه ويسأله: أنا مرزوق وأنت؟
ويرد أثناء ذلك صوت آخر ليس صوت الآلة ولكنه يحمل نفس النبرات ونفس الروح إن كان هناك روح لأي منهما.
«كيف أقدر أخدمك؟»..يأتيه السؤال عبر مسافات من زمن قضاه ينتظر، فيسكت مرزوق برهة قصيرة قبل أن يرد وكأنه يقول للصوت الآلة الذي توقف منذ ثوان مضت: إلى اللقاء أو: أين ذهبت وتركتني؟ أو: سأفتقدك.
ويبدأ مرزوق بإخبار الصوت غير الآلة كيف يريده أن يخدمه ولا يدري مرزوق هل ستتم خدمته بالفعل أم أنه سيعاود الاتصال مرارا وتكرارا ليسمع صوتا ألفه: عزيزي العميل إن جميع الموظفين....
إييييييه يا مرزوق.. إذا كان جميع الموظفين مشغولين فماذا تفعل أنت على الهاتف؟ ماذا تنتظر؟