النعرة القبلية تصل إلى المدارس وتزاحم المناهج

لم تعد المناهج التعليمية مصدرا وحيدا في المدارس بل أخذت الوسائل الأخرى التقنية وغير التقنية تزاحمها!
وإذا كنا نؤمن جميعا بأن البيت والقبيلة والأقارب والشارع والاختلاط بأنواعه كلها تصنع ثقافة الأبناء وتشكل أفكارهم وسلوكهم، فإن ذلك يقنعنا بأن المدرسة والمناهج الدراسية ليست وحدها قادرة على الانفراد بتربية الأبناء مهما تطور التعليم وبلغ ما بلغ.
من الظواهر الخطيرة التي بدأت تغزو المدارس وتقتحم التشكيلات الفكرية والسلوكية لأبنائنا هي ظاهرة النعرات القبلية التي باتت تؤثر على علاقات الصغار بالآخرين لا سيما زملاء الدراسة وأبناء الحي.
لو كانت هذه الظاهرة في المناطق النائية أو في المدن الصغيرة التي غالبها تشكلها قبيلة أو قبيلتان لكان الأمر غير مستغرب، أما أن تكون هذه النعرات في مدينة مثل جدة أو مكة أو الرياض أو الدمام فإن ذلك يدل على أمر غاية في الخطورة وينذر بجيل قادم متخلف لا يصلح لمواكبة المرحلة المقبلة.
في بعض المدارس حدثت خلافات بين الطلبة إلى درجة الاعتداءات الجسدية وإسالة الدماء ولما يبلغ أكبرهم الخامسة عشرة، انطلقت من منطلق الحمية والدفاع عن القبيلة والفخر بها، والعجيب أن ما نسمع به في جدة بلد التنوع والحضارة والشعوب، لم نكن نسمع به في مناطق الجنوب في الثمانينات والتسعينات، وهو دلالة على أن هناك انتكاسة على مستوى المجتمع عادت به إلى الوراء والقبيلة والعشيرة بدلا من انطلاقه نحو الدولة والمجتمع شعوريا وقانونيا وتبعية.
ولا شك أن الكبار أشد نعرة من الصغار، فما الصغار إلا ممثل لأفكار الكبار ونزعاتهم، يدعونا ذلك إلى البحث الدقيق واستخراج النتائج الصحيحة في بروز هذه الآفة المنتنة كما وصفها الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن وجهة نظري إن سبب عودة هذه الظاهرة الجاهلية في زمن العولمة والتكنولوجيا السكوت على هذه النعرة حين كانت تبدي رأسها من وقت لآخر في مواقف كثيرة من أمثال الاحتفالات العامة والصلح في القصاص وطريقة إعلان الزواج والخلافات حول حدود الأراضي بين القبائل وأمثال ذلك.
إضافة إلى شرعنة هذه الظاهرة حين تعطى المجال في التفاخر والتكاثر بالأموال وإقامة الاحتفالات لاستعراض القدرة والعدد والغنى والمكانة، ثم تقام لهم مسابقات الشعر والفخر ومن ناقته أجمل من ناقة الآخر.
وأخطر ما يهدد المجتمع القنوات الفضائية التي نفخت في النعرة القبلية إلى أن أصبحت في سنوات معدودة مرضا لا يسهل علاجه، حتى تحول الجميع إلى مشارك في هذه النعرات على كل المستويات ولم يسلم منها الدعاة وطلبة العلم.
ورأينا كيف بدأت كل قناة تتحول إلى عدة قنوات كل جزء منها يمثل قبيلة وتظهر فيها معالم القبيلة لهجة وعادات وأشخاصا.
إنه الخطر الداهم الذي يجب وأده في مهده خصوصا إذا علمنا أن القبيلة تجمع وليست مجتمعا، وأنها ولاء وليست انتماء، وأن الفرد في قبيلته محكوم بقوانين وعادات ومقدسات لا يفككها الدين نفسه إلا عند المسلم الصادق، والشواهد كثيرة يعرفها الجميع.
والمتعصبون يفتخرون بالقبيلة قبل الدين وقبل الوطن لأنها حالة مرضية بدأت تستعصي على الطبيب، وأبناء القبيلة الواحدة يتعصبون لبعضهم ضد كل شيء ويتجاوزون تعاليم الدين وقوانين الوطن في سبيل نفع أبناء العمومة ولو على حساب الدين والوطن، وما الواسطة إلا نوع من ذلك لم نستطع حتى الآن الخلاص منها بل عادت تشتد بسبب هذه النعرة الفارغة.
والقبيلة إن لم تكن وطنية بامتياز فإنها خطر على الوطن يجب الحذر منه، وليست الوطنية التي تدعيها القبائل بكيل المدائح والادعاءات التي نسمعها في كل يوم بالألفاظ الشعبية المنمقة، الوطنية: هي أن تذوب القبيلة في الدولة نظاما وولاء وقانونا، وألا يكون لها دور غير التعارف والرحم، أما غير ذلك فجاهلية إن بقيت فاقرأ على المجتمع السلام.
يجب أن يصدر قانون وينفذ في أسرع وقت وعلى مستوى الوطن وخصوصا في وزارة التربية والتعليم يجرم النعرات القبلية والطائفية وأمثالها، وأن يعد ذلك خروجا عن الولاء وإخلالا بأمن المجتمع، وتوضع له قوانين صارمة، وتجفف منابع العصبية الاجتماعية والإعلامية والثقافية، ويُحجم دور القبيلة إلى حجمها الحقيقي الذي أعطاها إياه الله عز وجل، وإلا فإننا سنعاني كثيرا من الجيل القادم الذي بات مفتونا بالقبيلة على شكل غير مسبوق... اللهم فاشهد.