التحكيم (القضاء الخاص)

تبوأ التحكيم والقضاء مكانة عالية في مجال الفصل في المنازعات التجارية والمدنية، وذلك على المستويين الوطني والدولي.
والتحكيم نظام ذو طبيعة مزدوجة، فهو اتفاقي في مصدره، حيث إنه يستمد سلطاته من إرادة الأطراف، وهو قضائي في وظيفته، نظرا لأن المحكمين أو هيئة التحكيم تؤدي نفس وظيفة القاضي، أي الفصل في المنازعة المعروضة بإصدار حكم ملزم فيها وهو أي التحكيم (قضاء خاص).
لذا، نجد أن معظم الدول لا تخلو تشريعاتها عن نصوص قانونية منظمة لمسألة التحكيم، سواء كانت تلك النصوص متضمنة في قانون أو أنها تشكل جزءا من تشريع مدني أو تجاري.
أما على المستوى الدولي فقد أبرمت اتفاقات دولية عدة منذ أكثر من نصف قرن لتنظيم حل النزاعات الدولية عن طريق التحكيم أو اتفاقات إقليمية بين دول تربط بينها علاقات تجارية واقتصادية متنوعة، كما أقيمت مراكز دولية وإقليمية عدة لتولي الإشراف على حل النزاعات كما سنتطرق إلى ذلك بإيجاز فيما بعد.
وغني عن البيان أن العقود والمشروعات الكبرى أصبحت عالمية الهوية، مما يتطلب معه حل النزاعات الناشئة عنها دون سيطرة إجراءات وأنظمة محلية وإقليمية، إضافة إلى التطور الاقتصادي العالمي وتعدد المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تنفذ بنظام الإنشاء التشغيلي والتملك أو أسلوب آخر للتعاقد تدخل في الغالب في نطاق الاستثمارات الدولية المتعددة الأطراف، حيث تشمل الممولين والشركات المنفذة والمكاتب الاستشارية المتخصصة.
لذا، فقد برزت أهمية الفصل في المنازعات عن طريق التحكيم (القضاء الخاص) لما يوفره ذلك من طمأنينة للكيانات الاقتصادية ورجال الأعمال والمستثمرين ويحفزهم على تمويل تنفيذ هذه المشروعات، إذ إنهم يحرصون دائما على الحصول على تأكيدات صريحة وقوية بأن أي نزاع يتوقع حدوثه سيتم حسمه وحله بسرعة وبكفاءة عالية، وهو ما يتوفر غالبا في التحكيم مقارنة بالقضاء الرسمي في معظم الدول.