مشاعر متفجرة
السبت، ٢٩ نوفمبر ٢٠١٤
سأحكي لكم قصة عائلة سورية من مدينة (الرقة)، ولو أن هذا الاسم يتنافى كليًا مع ما كان يحدث فيها منذ قيام ثورة مهرجان عجب البشاعة السورية.
الأب الخمسيني كان يحرص على ألا يخرج أبناؤه الشباب للمشاركة فيما كان يحدث بالشارع من احتجاجات، ويوصد باب شقته، ويغلق الأضواء ليلًا فلعل الشر أن يَزول.
التقط (الشبيحة)، أكبر أبنائه وهو ذاهب لعمله في المنجرة القريبة، مشتبهين بمروره من جوار منطقة الشغب، فلم يخرجوه إلا بعد شهر من التعذيب، وهو في حالة من الضعف والبؤس، بأضلاع مكسرة، وعين لا يعنيها الضوء.
لمح (الشبيحة)، أحد أبنائه المراهقين يصفق بيديه بجوار إحدى المظاهرات، فتبعوه إلى شقته، وكسروا الباب، وقلبوا الطبطاب على أهله نقمة، فجلدوا الظهور، وتقافزوا بأحذيتهم الغليظة على البطون والرقاب والرؤوس.
استجمع رب الأسرة وهنه متناسيًا ذراعه المخلوعة ليتفقد أبناءه، وهم في حالة من التألم والنشيج، ورَدَّ ما تبقى لهم من باب.
أزهقت روح زوجته متأثرة بجراحها، وبعد أن أسقطت ما كان في بطنها، ليحيق الحزن أكثر بالأسرة البائسة.
حمل الأب وأبناؤه أخف ما يمكن حمله، وخرجوا ليلًا مولين وجوههم شطر منطقة حدودية ينشدون أمنها، فيستوقفهم أفراد الجيش الحر ويمنعونهم من ترك الديار لفلول العدو، ويأخذون الأبناء الكبار، لتجنيدهم ضد النظام، ويعيدون البقية في دربهم بالوعيد.
عاد الأب وابنتاه، وطفلان باكيان إلى شقتهم، والجوع والخوف يفتكان بهم، وظلت المدافع والطائرات تقذف حولهم بنيران الدمار، ولم يكن لهم حيلة غير الانتظار، والتطلع للسماء بأعين دامعة.
حضر (الداعشيون)، بسوادهم وأحزمتهم الناسفة، واستباحوا ما تبقى من خراب، قبل أن تطاله أيدي النصرة والأحرار، وأعجبوا بالصبيتين، فاغتصبوهما أمام أعين الأب والصغار، ثم جروهما سبايا، وباعوهما في سوق نخاسة لمن ملكت أيمانه.
أما الطفلان فقد تم تجنيد أحدهما لحمل الرشاش، ومناصرة داعش ضد مرتزقة حزب الله، فلعله لخفته وضآلة جسده يبدع في صفوف (النظرجية)، لاكتشاف المواقع.
أما الأصغر، فكان رقيق الجسد، ناعم الأيدي، فبيع في سوق الغلمان!.
لم يتبق في الخرابة المتعوسة غير بعض باب لا يُغلق، ورماد يكسو الجدران والأعين، والأب المتهالك، الذي كان يسهر الليالي، يعد البراميل المتفجرة، التي تتساقط في الجوار، ويتعجب لماذا لا تنهي حكاية هذه الأسرة المتعوسة؟.
ويهرب مجددًا ليقابل قوات حفظ النظام العالمي، وجمعيات حقوق الإنسان، فيهندمونه، ليظهر في الصور المنقولة مباشرة لأعين العالم، وهو منكسر الملامح خائر في طرف خيمة للإغاثة.
لقد حشرجت الحروف في حلقه مختلطة بدموع القهر، فلم يتمكن من الرد على أسئلة المذيعة الشقراء، التي كانت بحرقتها تسأله عن كنه مشاعره!.
ظل يتمتم لها دقائق عن البراميل المتفجرة، أو أنه كان يقصد جماعات الأحزمة المتفجرة، أو ربما المشاعر المتفجرة، ولكن وأيًا يكن قصده فما الفائدة المرجوة؟!.