عالم السطول الملونة

 

 

لم يعد من المستغرب أن تجد أحد موظفي الدولة المختصين بمقابلة الجمهور وهو يجلس خلف مكتبه وحوله عدد من السطول الملونة!.
وقد يشعر بالحرج من دخولك عليه غفلة، ويحاول دسها خلف الستارة أو الباب، أو بين الملفات، وهو يحاول الاعتذار، والادعاء بأن أحدهم قد وضعها بجانبه عن طريق الخطأ!.
وكل سطل له لون خاص، فهذا الأزرق يستخدمه لكبار الشخصيات، ويحتفظ فيه بكلمات فخمة خاصة بهم (سم - طويل العمر - حاضر- تأمر أمر- ما كان لازم تتعب عمرك - نخدم مرسولك - خدمتكم شرف.. وغيرها)، كما يضع في جزء منه الكثير من الابتسامات، والثناء والشكر، والنظرات الخجلى.
أما السطل الأصفر “كريه الرائحة” فهو للمواطن العادي، ويحتفظ الموظف فيه بكلمات باهتة مثل (أووف – خلصني - هذي الأوامر - ما هو ذنبي - عطنا من الآخر - مر عليَّ بكرة - السيستم عطلان- رح اشتكي عند المدير- لا تعطلنا - رح خذ رقم مرة ثانية - ما هي مسؤوليتي... إلى آخره)، ويضع معها بعض الملامح مثل التكشير، والخز بالعين - ونفخ الأوداج، والتأفف - والتململ وغيرها.
أما السطل الأخضر المعطر فهو لأبناء الحمولة، والقبيلة، والأسرة بكلمات مثل (ازهلها - ما عليك - أبشر- والنعم – كفو - سلم على فلان - وأيش يقرب لكم علان - معاملتك مقضية - أنا أوصلها لك - والله لو أدخل بها على المدير.. وغيرها)، كما يحتفظ في جزء منه ببعض الملامح الوردية، التي تكاد أن تسبب تشققات في أطراف فمه من شدة الفخر والسعادة.
وأدعو الله مخلصًا بألا يكون نصيب أحد منا السطل الأسود، المخصص للملونين، والمقيمين، والذي يحتوي على كلمات مشدودة الأعصاب مثل (خير- أنت تعرف النظام أكثر مني - لا ترفع صوتك - يا أخي دوشتنا - الله يعينا عليكم - أوراقك ما هي مكتملة - ما يمديك اليوم - رح صور لي إقامتك وبعدين أرجع - خذ لك رقم... وغيرها)، ويحتفظ في بقية السطل بملامح مريعة من التكشير، وعقد الحاجبين، وإخراج اللسان مع التمتمة، وتحريك اليدين بحركات عصبية، والنظر للمراجع من فوق لتحت.
وتخيل أن يكون حامل السطول رجل أمن أو مرور، فيصعب عليه تغييرها بسرعة، خصوصًا وأنه سيحملها في مؤخرة سيارته، وقد يحتاج لمعاون ليساعده في رسم الألوان العنصرية وتوزيعها، وحسب الزبون.
والكارثة لو كان الموظف في منصب مدير أو مدير تنفيذي أو أعلى، فعندها سيحتاج إلى سطول أكبر، وألوان أكثر جمالية للمحافظة على كرسيه لسنوات عديدة.
حالة من حيرة السطول والألوان، فيقوم الشخص منا بالتوجه للإدارة الحكومية وهو يحمل فوق كتفه جبل (أبو مخروق)، ويدعو الله في سره أن يكون من يقابله بلا سطول، وإذا غلبت الروم فليكن سطله أبيض خاليًا من الكلمات والملامح.
وبالطبع فهذا سيكون سطل الروبوت المستقبلي، حينما تقوم الحكومة بتعيينه في مكاتب مقابلة الجمهور.
ولكن الخوف كل الخوف أن تكون البرمجة بأيد سعودية، فتجبره على التخلي عن لونه الأبيض، وتغييره بمجموعة برامج ملونة ومن مختلف السطول، والخصوصية سعادة.