ماذا يعني تراجع أسعار النفط لأمد طويل؟!
الجمعة، ٢٨ نوفمبر ٢٠١٤
بعد شهر تقريباً ستعلن الحكومة السعودية تقديراتها للموازانة العامة للعام المقبل 2015، والحساب الختامي لميزانية العام 2014 الذي سينتهي في 31 ديسمبر، وفي كل الأحوال يمكن للمحللين والاقتصاديين بناء التوقعات الأولية لموازنة العام المقبل لارتباطها واعتمادها بشكل كبير على العائدات من بيع النفط الخام التي تمثل نحو 90٪ من هذه الإيرادات، والحديث عن حجم الفائض أو العجز في الميزانية لا يمكن أن يتم بمعزل عن متغيرات وضغوط حركة بيع النفط، واحتمالات الانخفاض والارتفاع في أسعاره.
فخلال أربعة أشهر تراجعت أسعار النفط الخام من مستوى 115 دولارا للبرميل إلى مستويات لامست 80 دولارا، وهي مستويات قريبة من سعر تعادل الميزانية العامة للسعودية، فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي ومؤسسة أبيكورب؛ فإن سعر تعادل الميزانية السعودية مبنيّ على 85 دولاراً للبرميل، لذلك لن تسجل ميزانية العام 2014 أي عجز، بل ستحقق فوائض مالية في حال بقي الإنفاق العام عند المستوى المخطط له. لكن الواقع وقراءة المحللين الاقتصاديين لمستقبل النفط تشير إلى مزيد من التراجع في أسعار النفط الخام في الأعوام المقبلة، وهذه التوقعات لم تكن يوماً ما متشائمة، بل كانت تقرأ الواقع بدقة، لا سيما أن التطورات التقنية المتلاحقة في حفر الصخور واستخدام الحفر الأفقي ساهما في زيادة إنتاج النفط والغاز الصخرييْن، ومكّنت الولايات المتحدة من زيادة إنتاجها من النفط الصخري، وإذا ما علمنا أن أسعار النفط الحالية عند مستويات 80 دولاراً للبرميل تزيد بنحو 27 دولاراً عن تكلفة معظم النفط الصخري في الولايات المتحدة نحو 53 دولاراً للبرميل وفقاً لتقرير للجنة الاقتصادية لمنظمة «الأوبك»، وهو مستوى ربحي جيد ليشجع على الاستمرار في إنتاج النفط الصخري، تدعمه توقعات باستمرار الانخفاض في تكلفة الإنتاج نتيجة للتطور المتسارع لتقنية الحفر وآلياته، وبالتالي مزيدا من الإنتاج والمعروض في أسواق النفط العالمية، وتراجع في الأسعار. ماذا يعني تراجع أسعار النفط الخام لأمد طويل على الاقتصادات التي يمثل النفط الخام الإيراد الرئيس لها؟ والسعودية هي ما يهمنا في هذا المقال، سيقود تراجع أسعار النفط العام حتماً إلى تأثيرات سلبية يمتد تأثيرها إلى جوانب عدة:
أولاً : قد تواجه الدولة في المستقبل تحدياً كبيراً في تدبير نفقاتها المرتفعة، حتى وإن لجأت إلى الاحتياطيات المالية الكبيرة التي ستتآكل بفعل تراجع مستوى النفط دون المستوى الذي يتم بناء الميزانية عليه، واستمرار الإنفاق الحكومي في مستوياته العالية، وارتفاع معدل التضخم العالمي، فمعظم الفوائض النقدية التي تزيد على ثلاثة تريليونات ريال تستثمرها مؤسسة النقد في سندات في الخزينة الأمريكية بفائدة لا تزيد على 1%؛ دون أن تأخذ ساما في حسبانها ارتفاع معدل التضخم العالمي، وتأثيره على القيمة الحقيقية لهذه السندات.
ثانياً: تآكل قيمة الفوائض النقدية الحقيقية، إلى جانب تسييل جزء من هذه الاحتياطيات لتغطية النفقات العامة، والتراجع الطويل لأسعار النفط الخام سيُقلص فرصة إنشاء صندوق سيادي يستثمر لصالح الأجيال القادمة، وعدم استثمار جزء من الفوائض المالية الكبيرة لتأسيس صندوق سيادي ينوع استثماراته حول العالم، وبعوائد مجزية يعني تفويت السعودية فرصة عظيمة لا تتحقق لها أو تتكرر في المستقبل، فالفرص التي لا تستثمر لا تعود.
ثالثاً: تراجع أسعار النفط إلى ما دون المستوى الذي يتم بناء الميزانية عليه، يعني تسجيل عجز في الميزانية العامة، وبالتالي توقف الدولة عن سداد الدين العام بعد أن استطاعت إبان طفرة أسعار النفط الخام تسديد 584.7 مليار ريال منه خلال عشرة أعوام (2002 -2013) ليتراجع مستوى الدين العام بنحو 89% عما كان عليه في 2003، وبذلك تراجعت نسبته من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية (الاسمي) إلى 2.7 % في 2013.
رابعاً: وهو نتاج لما ذكر في أولاً وثانياً وثالثاً، سيقود تراجع أسعار النفط الخام وتقلباته إلى تسجيل عجز في ميزانيات الأعوام المقبلة إن لم يتم تدارك ذلك، وتآكل قيمة الفوائض المالية الحقيقية، وتوقف سداد الدين العام، وقد يعود للارتفاع، وبالتالي سيمتد تأثيره إلى أهداف خطة التنمية العاشرة، والتي رغم منطقيتها، وإمكانية تحقيقها، إلا أن ذلك يحتاج إلى مستويات إنفاق عالية، فالاستثمار الأمثل في الموارد السكانية، ورفع المستوى المعيشي، وتحسين نوعية الحياة لجميع فئات المجتمع وتنمية الموارد البشرية ورفع إنتاجيتها، وتوفير فرص العمل الملائمة والكافية للعمالة الوطنية، وتيسير حصول المواطنين على السكن الملائم، والارتقاء بالمهارات والقدرات الإنتاجية للعمالة الوطنية، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة وأساليب الإنتاج المتطورة لزيادة المحتوى التقني للمنتجات الوطنية وتحسين تنافسيتها محلياً وعالمياً، وتعميق التنويع الاقتصادي بأبعاده المختلفة، والتحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة ومجتمع المعرفة، جميعها ستتأثر بتراجع عائدات النفط الخام.