نهاية داعش.. نهاية فكرة

الانهيارات السريعة التي وقعت قريبا في صفوف التنظيم المجرم داعش، هي دلالة واضحة على ضعف وهشاشة هذا التنظيم، معنويا وقيميا وتنظيما وبناء وسياسة.

هذا النوع من التنظيمات سواء كان إسلاميا بزعمه أوغير إسلامي، لا يستطيع البقاء والحركة والانتصار إلا في الأجواء الموبوءة كالمناطق التي تعم فيها الفوضى والحروب والفراغ السياسي، أما في الأماكن الآمنة والمستقرة فلا تستطيع القيام إلا على شكل أفراد سرعان ما ينتهون ويذهبون إلى الجحيم.
التنظيمات التي تتقن الهدم والدم بغير حق لا تستطيع أن تتقن البناء، ولو تركت على ما هي عليها لانهارت من داخلها دون عوامل خارجية، إضافة إلى أن طبيعة الفكر الخارجي سرعة الانقسام والاختلاف، والتقاتل على أتفه الأسباب من متاع الدنيا وشهواتها وإن كانت تتاجر بالدعوة إلى الآخرة لجذب السذج والمغفلين.
الأخبار التي بدأت تنتشر من داخل التنظيمات المسلحة تفيد بأن خلافات قادمة ستطغى على المشهد وتظهر على السطح، وسيصبح العالم متفرجا على ما يحدث بينها، حينها سوف يعلم المخدوع أنه كان يعيش كذبة اسمها الدولة الإسلامية على منهاج النبوة، ينتبه الغافل الهائم في أدبيات وأوهام هذه التنظيمات أن الدولة النبوية لم تكن كذلك يوما ولا يصلح لإقامتها أقزام مثل هؤلاء الصبية والمراهقين وقطاع الطرق.
إن دولة الإسلام التي يتغنى بها هؤلاء بريئة منهم في كل تفصيلاتها، فقد كانت دولة رحمة وعلم وبناء وتسامح وعطاء، لا دولة قتل وإبادة ورعب وتهديد لكل بريء أو معارض أو مخالف، ولم تكن دولة سرقة ونهب وسلب وترويج للغرائز والشهوات.
إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لقريش بعد ربع قرن من القتل والتشريد والإهانة والإذلال والحروب والدماء اذهبوا فأنتم الطلقاء، فقد رأينا دولة الإفلاس داعش تقتل المسلم قبل المسيحي، وتستحل الفروج التي حرم الله باسم السبي وباسم الجهاد وتسرق الأموال وتنهب البيوت وتذبح العلماء، فهل تجوز المقارنة بين دولة الحق ودولة الفجور والظلم والعمالات والمخابرات.
لقد كانت داعش من الغباء وضياع التفكير أو انعدام العقل أنها لم تستطع أن تتألف الناس وتحسن إلى المسلم وغير المسلم لتجد لها حجة في يوم من الأيام بأنها جاءت لنشر الإسلام أو للدفاع عن المظلومين ولو ادعاء كما ادعى كثير من الزعماء في التاريخ حتى بلغوا مآربهم، ولكنها ما إن سيطرت على تلك المناطق حتى قتلت كل عالم غير مقتنع ببيعتهم، وأخذت ترسل شبابها ومراهقيها ليدقوا الأبواب ويستخرجوا النساء من البيوت ليتخذوهن سبايا.
والدول النامية المتعارف عليها في التاريخ تصنع لها أصدقاء وتجمع من حولها المؤيدين وتغري الناس بالصلح معها وتقدم التنازلات كيلا تخسر كثيرا ثم تتحصن خلف ذلك، أما هؤلاء فقد خسروا كل شيء من أول يوم وراهنوا على تهريب الشباب الذين يأتون إليهم من منطلق الإغراءات بالمال والنساء أو بالجنة والشهادة في القتال ضد المسلمين.
من هنا لم تستطع داعش التمدد أكثر لأنها كانت تحمل موتها في سلاحها وأفكارها وممارساتها، ولم يكن طيران التحالف هو السبب الأول في إيقافها بل بدأ الناس يوقفونها في أماكن كثيرة دون طيران التحالف لأنهم آمنوا بأنهم إن لم يموتوا في سبيل الدفاع ضد داعش فسيموتون ميتة ذليلة بفتاوى داعش وتهمها الحاضرة وبأسلوبها الجبان.
دولة لا تحمل دينا ولا تملك فكرا ولا تتقن سياسة ولا تتطلع إلى بناء، وليس لها إلا القتل مهنة والسرقة مكسبا هي دولة جديرة بالموت قبل أن يقر لها قرار، وسوف يحاربها الناس ولو بالحجارة، وها هي تعلن انهيارها قريبا.
وأكبر علامات الضعف عند المسلحين هؤلاء هو تحويل طرق المعركة من المواجهة إلى الاغتيالات والتفجير وتفخيخ السيارات لأنها جماعات لا تتقن إلا الغدر.
إن نهاية داعش القريبة هي نهاية فكرة طالما عاشت على الدماء والتكفير، وهي انهيار لدفاعات هذا الفكر التي تعيش آمنة لتفرخ الكفر والتكفير في كل زمان ومكان.