"البدر".. و"السيّاب".. والمطر!

من قال إننا لا نحنّ بعد كل جفوة إلى المطر؟
من قال إن أرواحنا لا تخفق شوقا إليه، مثل أفئدة الطيور، مثل شفتي وليد في الفطام، غادره دفء صدر أمه الذي أدمن فوحه وبوحه، منذ أن تنفّس الهواء والحياة؟
حتى جراحنا، مثل خد الأرض، تجف حين يبطئ الشتاء والربيع.
....
لم تزل طفولتنا تحتفظ بأهازيج تحتفي بالمطر، منها على سبيل المثال:
«يا مطرة حطّي حطّي
على قريعة بنت اختي..
بنت اختي جابت ولد،
سمّتو عبد الصمد»..
ومهما اختلف اسم بنت أختي أو أخته أو أختها، يظل هذا «الدُّش» المنعش مهرجانا يسخو فيه السّحاب على خد أمنا الأرض فيزهر ويتورّد فيخضر إحساسنا بالحياة، ما دامت المياه تمشي ـ كما يقول لسان حال الناس ـ في مجاريها، «تغطرف» بإيقاع تطرب له نفوس الصغار خاصة.
وقد أبدع «البدر» في علاقة الطفولة بالمطر بهذه الصورة التي رسمها بشاعرية فنان مرهف الإحساس، وشدا بها «صوت الأرض» الفنان طلال مداح ـ يرحمه الله ـ وهي اليوم واحدة من أجمل ما أثمرت عنه شراكة الوجدان، أغنية يا طفلة تحت المطر:
«لو رميتي شالك الدافي على متن السما
دفيت الشمس في فصل الجليد..
لو نثرتي صوتك الحاني على صدر الظما
أنبت العشب واخضر الجريد»!
....
ولبدر شاكر السياب صورة أخرى معبّرة عن شجن آخر في «أنشودة المطر»، وفيها مسحة من حزن.. والحزن أستاذ لا نتبرّأ منه لكننا نزيحه كلما دنا لنستريح:
«عيناكِ حين تبسِمان تورِقُ الكُروم
وترقصُ الأضواء كالأقمارِ في نهَرْ
يرجُّه المجداف وهنا ساعة السَّحَر»