واشنطن ملزمة بمساعدة الرياض نوويا

اهتمام الإعلام الأمريكي بالقضية الأكثر إثارة للجدل في الشرق الأوسط (الصفقة مع إيران حول برنامجها النووي)، لا يعادله سوى محاولة استشراف رد فعل السعودية تحديدا على هذه الصفقة، وطبيعة التحالفات الجديدة وتوازنات القوى في المستقبل التي ستعيد صياغة المنطقة.

تلويح سعودي

صحيفة “نيويورك تايمز” خصصت تقريرا في 16 نوفمبر 2014 أعده ديفيد سنجر، وستيفن أرلنجر، وجودي رودرن، للتعرف على كيفية مواجهة القوى الإقليمية المعارضة لصفقة إيران النووية، جاء فيه “أن أي اتفاق مع إيران سيعيد ترتيب التحالفات الأمريكية بالمنطقة، خاصة وأن واشنطن بموجب هذا الاتفاق ستبدأ في التعاون مع إيران في القضايا الإقليمية بدلا من السعودية”.
واستطرد التقرير “لم يكن هناك أحد أكثر صراحة بشأن هذه القضية من رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل الذي حذر في الأسابيع الأخيرة من أن السعودية ستقوم ببناء منشآت ومرافق لتخصيب اليورانيوم لتتناسب مع كل ما سمح لإيران الاحتفاظ به، حتى لو لم تكن السعودية بحاجة إليها، ستقوم بفعل ذلك وتحت أي صيغة”.

سباق نووي

خلاصة التقرير في جملة واحدة هو الصفقة مع إيران، سواء تمت أو لم تتم أو تم تمديدها، فإنها أطلقت بالفعل (سباق التسلح النووي في المنطقة) من عقاله.
لقد ركزت وسائل الإعلام الغربية على فكرة مهمة في تصريح الفيصل، وهي: أن السعودية ولأول مرة لم تعرب عن مخاوفها من البرنامج النووي الإسرائيلي أو الإيراني، إنما تجاوزت هذه المخاوف بالتلويح بإمكانية “حيازة” الطاقة النووية، ما يعني أن السباق النووي بالشرق الأوسط قد يدخل مرحلة حرجة يصعب تداركها.

دعوة صريحة

اللافت للنظر هو (التزامن الغريب) بين نشر هذا التقرير في “نيويورك تايمز” يوم 16 نوفمبر 2014 ونشر تقرير آخر في العدد الأسبوعي من مجلة “شؤون خارجية” الأمريكية في نفس اليوم والساعة، وبتوقيع سيجورد نويباور، يطالب واشنطن، صراحة وبشكل مباشر، بضرورة مساعدة السعودية نوويا لمواكبة إيران، ويقترح الآتي:

 1  يجب تحريك الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية (2008) الذي ظل في حالة جمود لمدة ست سنوات.
توقف هذه المحادثات ليس سوى أحد القضايا الشائكة التي أضرت العلاقة بين الرياض وواشنطن في السنوات الأخيرة.
وإذا كانت السعودية، وهي على حق، ترغب في مواكبة التطور التكنولوجي وتحقيق التوازن في المكانة الإقليمية مع إيران، فإن الولايات المتحدة وبنفس القدر لا يمكن أن تتحمل انفصال السعودية عنها، في الوقت الذي تطلب مساعدتها في حل النزاعات الإقليمية في العراق وفلسطين وسوريا.

 2  إ ن التعاون بين الرياض وواشنطن في مجال الطاقة النووية، سيشكل دعامة جديدة للشراكة الاستراتيجية الطويلة والممتدة عبر أكثر من 80 عاما مضت، خاصة وأن السعودية لديها مبررات قوية: عقلانية وقانونية ووطنية.
فقد أعلنت عن نيتها بناء 16 محطة للطاقة النووية بتكلفة تقدر بـ112 مليار دولار، من شأنها أن تجعل السعودية تمتلك أكبر برنامج نووي مدني في العالم، وإذا استطاعت تلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة من خلال الطاقة النووية، فإنها لن تضطر لتقليص مبيعاتها من النفط في الأسواق الدولية.

3 إن تعنت واشنطن مع السعودية حيث تشترط أولا كشرط للتعاون، إبرام ما يعرف باتفاقية 123 والتوقيع على الفقرة الواردة في القانون الأمريكي للطاقة الذرية لعام 1954، التي تحرم الرياض من تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة البلوتونيوم، أثبت تهافته اليوم بعد أن قبلت التفاوض مع إيران منذ عام 2013.
إذ يمكن أن تطالب المملكة بنفس الحق الذي سمح لإيران بتخصيب اليورانيوم، بل إن السعودية يمكن أن تعتبر عدم السماح لها بممارسة هذا الحق هو اعتداء على السيادة الوطنية، لأنها من الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبنص القانون فإن من حق الدول “تطوير الطاقة النووية لأغراض سلمية”.
وإذا فشلت الجهود في التعاون مع واشنطن قد تلجأ السعودية إلى اختيار شريك آخر مثل فرنسا أو روسيا لتطوير برنامجها النووي للطاقة، وهو ما سيكون على حساب الشركة الأمريكية، وربما على حساب الشراكة الاستراتيجية بين البلدين على نطاق أوسع.

4 من حسن الحظ، أن هناك ما يمكن فعله من جانب الولايات المتحدة لدفع المحادثات النووية المتوقفة مع السعودية قدما للأمام.
والنموذج المثالي الذي ينبغي على واشنطن أن تأخذه بعين الاعتبار هو: الاتفاق النووي مع الهند عام 2008.
فقد وافقت نيودلهي بموجب الاتفاق على فصل منشآتها المدنية والعسكرية النووية، وإخضاع جميع منشآتها النووية المدنية لمراقبة وكالة الطاقة الذرية.
وفي المقابل، وافقت أمريكا على مساعدة برنامج الطاقة النووية المدنية بالهند، وتوسيع التعاون في تكنولوجيا الطاقة، وهو ما يمكن التوصل إليه مع الرياض أيضا كونها لا تعتزم بناء أي منشآت نووية لأغراض عسكرية كما أنها لم تهدد جيرانها أو تثير قلقهم.