المسؤولون.. تنوع الإهمال والموت واحد
الاثنين، ٢٤ نوفمبر ٢٠١٤
لا جدال على حجم المأساة ولا جدال على بالغ الحزن المخيم على أسر ضحايا ما يسمى ببالوعات الصرف الصحي التي أثبتت مع الأيام أنها تمتلك من اسمها كل النصيب، ولا تمتلك من صفتها إلا العكس، أيضا لا جدال على غرابة وضع غياب البشر فجأة على نواصي الشوارع أو في بطونها في وضح النهار، وكأنهم بنايات تهدم بالتقنية الحديثة للهبوط المستقيم في باطن الأرض.
الوضع في أعقاب حوادث الصرف الصحي متوتر، على الأقل في مرآة الرأي العام ولا يسمح لأي جهة من الجهات الحكومية ذات العلاقة أن تقول كما جرت العادة: (الوضع تحت السيطرة)، أو (ليست من مسؤوليتنا). الشواهد الظاهرة مقابل كل ما يحدث تشير إلى تصاعد درجة التملص من المسؤوليات، وتؤكد أنه لا شيء تحت السيطرة أكثر من المناصب الوظيفية وصوت المتحدث الرسمي.
إزاء مثل هذه الحوادث يكون غياب معايير السلامة العامة قضية يقول سوء طالعها كما يقول ويردد سوء طالع تداخل المسؤوليات بين بعض الجهات الرسمية. مثل هذا الحال يولد ما يمكن الاتفاق على وسمه بالفوضى التي تغيب معها قيمة الإنسان، وهذا يعني أن المتابعة والمحاسبة ليستا من فصيلة تحت السيطرة أبدا ولم يعد من الجائز التغني بهذا المصطلح الاستفزازي غير المقبول وقد فقد مصداقيته وصلاحيته على يد تبريرات بعض المسؤولين كلما حلت كارثة.
في العموم، المتعارف عليه أن ترحيل المسؤوليات وتبادل الاتهامات إزاء الأحداث باتا سمة إدارية محلية، لا ينافسنا عليها إلا قاصر خاسر، هل يعقل وهل يقبل أن تقيد دماء ضحايا البالوعات الصحية، إذا جازت التسمية، ضد المسؤوليات المجهولة؟؟ هذا ليس السؤال، السؤال المفروض طرحه هو: لماذا كل هذه التداخلات التنظيمية بين عديد من الجهات، التداخلات التي تبدو وكأنها مصممة لخلق فرص الدفاع وتمييع الحقائق أو تضييع الحقوق، وتسجيل ما يراد دفنه ضد مجهول، لماذا كل هذا الخوف من مواجه المواقف بشجاعة وأمانة؟.
الحوادث المتكررة التي راح ضحيتها أكثر من شاب في جدة، تلقننا درسا من نتائج تمرير المشاريع الخدمية دون معاينة وفحص ومراجعة لما يلزم من احتياطات الأمن والسلامة من ناحية، ومن ناحية أخرى كأنها تضعنا على حقيقة وهم حسن اختيار بعض المسؤولين. هذا التعليل فيه لطف وينحاز إلى الجهات المتساهلة مقابل حالات الفقد وما يصاحبها ويتبعها من حزن ولربما ما هو أبعد وأكثر تأثيرا مع مرور الأيام.
الخاتمة، إذا كان لمصطلح تقصي الحقائق أهمية فقيمته ومجده في إظهار الحقيقة وتحديد المسؤولية، آن الأوان حتى لا تذهب دماء ضحايا حفر الصرف الصحي هدرا.