أخلاق الرعاة

في كل الأعراف البشرية هناك معايير أخلاقية متفق عليها، نقطة الاختلاف الوحيدة تكمن في تحويلها إلى ثقافة أو إلى نوع من السلوك يتعلّق بالضمير والتنشئة والتربية لكي تتحوّل إلى مظهر أخلاقي إنساني عام ومتفق عليه.
القوانين تسهم في معظم الحالات بوضع خطوط حمراء أمام محاولة التعديّ على الأخلاق والأعراف والقوانين الإنسانية، ومتى ما تم إهمالها من قبل الجهة المشرعة والمنفذة فإن السلوك البشري في خطر.
هذه الخطورة مصدرها الثقافة نفسها التي تعزّز وتفرض وجودها بالانتشار وتتحول مع الوقت إلى عدوى أمام عدم فهم أو عدم الاعتراف بالمسؤوليات، لا أحد يريد أن يضيف إلى نفسه أعباء زائدة، وهذا ما تنجبه عدوى الثقافة مع الوقت ليتكاثر أبناؤها غير الشرعيين بالنظر إلى أهمية المسؤوليات الأخلاقية والوطنية وبعدها نبدأ في إساءة الفهم للأخلاق والوطنية وتفرض الوصاية والأبوة نفسها وتأخذ القوانين وجهاً آخر لتصبح قامعة ومفسدة للحريات، نظراً لأن مفهومها بقي عالقاً وتم تحويله إلى ما يشبه ثكنات تتحكّم فيها جهات اضطرت أو رغبت في فرض وصايتها لتخلي المجتمع عن مسؤولياته أمام العدوى.
إخضاع السلوك الأخلاقي البشري إلى اجتهادات تيارات أو أفراد أو جماعات يحصره في فهم أضيق من معناه الإنساني البشري والمتحضّر، بحيث يتم تحديد مفهوم الأخلاق على أساس أيديولوجي ومواقف شخصية ومفاهيم محدودة الرؤية والمنطق، وهنا تكمن لعبة الصراعات على مناطق السلطة والنفوذ في الهوية الثقافية.
هذه اللعبة تجر معها القوانين إلى مناطقها الخاصة بحيث يعاد ترتيب الأولويات الأخلاقية حتى بالنسبة للمؤسسات التي كان من المفترض أن تسهم في فرض هويتها الجديدة وإثبات هويتها القانونية والنظامية بعيداً عن المظهر الأخلاقي الخاص.
الأمثلة التي يمكن إيرادها لتقريب المسألة أكثر مما ينبغي، ويمكن أن يحتفظ الشارع أو المدينة ومحيطها بالعديد من المشاهد “البانورامية “ لما يمكن أن يحدث أو لما يحدث بشكل دائم.
كل متنزهاتنا تم العبث بها ويتم العبث بها رغم إشارات كل الأمانات بأهمية الحفاظ على البيئة ونظافتها لأنها أماكن عامة، وبالرغم من ذلك فإن أي مكان أُعتيد على أن يكون مكاناً للجميع فإن المسؤوليات تجاهه تتحوّل إلى “ظهر” أحد آخر، بمعنى أن الفرد أو الأسرة أو التجمع لم يستطع أن يعزز مسؤولياته تجاه الجميع وأن يكون جزءاً منه، وفي نفس الوقت يمكن أن يظهر لك أي شخص في نفس المكان ليدعوك إلى الصلاة مثلاً أو ينتقد سلوكاً يختلف معه ويترك ما يمكن الاتفاق عليه بأنه مسؤولية أخلاقية.
يستطيع أي شخص أن يبادر بالحديث معك ويقدم إليك النصيحة عن أهمية غطاء الوجه لطفلة في العاشرة تلعب في مكان عام لكنه يترك مخلفاته ومخلفات أسرته بلا أدنى شعور بالمسؤولية تجاه أي جهة أو أخلاق.
يمكن أن يرفض أيضاً أن تستمع إلى الموسيقى ويحاضر لك عن حرمتها لكنه في نفس الوقت يترك ناراً مهولة بجانب متنزهات ونباتات وبشر أحياء وقريبين.
أعرف أنك يمكن أن تتبادل معه النصيحة والحديث حول الموضوعين وهنا يجب ألا يتم التركيز على “نوعية” من الصراع الفكري بقدر التركيز على صلب الموضوع وهو لماذا يتم إهمال المتفق عليه إنسانياً وأخلاقياً حول أهمية المشاركة في صناعة بيئة نظيفة والحفاظ عليها بينما لا يتم نسيان غطاء الوجه مثلاً ؟
لماذا تم إهمال المسؤوليات الوطنية والأخلاق المشتركة التي تسيء لنا كلنا في أي مكان في العالم لأن قوانينها واضحة ومحددة ومتفق عليها وتحميها ثقافة إنسانية ونحن نتذكّر أن النبي المصطفى قال في آخر ما جاء فيه “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؟