إلى الثرى
الأحد، ٢٣ نوفمبر ٢٠١٤
كُوة عالية أرتني الأفق ابتسامةً تجمع بين بعيدين متجافيين، بين السماء والأرض، فإذا هما قريبان متلاصقان. لوحة أذهبت رحابتها ثقل كل خلية لتهيم في لحن السكون يهدهدني كلما نظرت إلى ما دوني، إلى كل شيء، إلى لا شيء.
إذا ما ارتفعنا وابتعدنا، فأول ما يصغر ويختفي هو المخلوق، مدّعي الهيمنة، تتبعه كتل حديدية وسدود خرسانية وخربشات اسفلتية، وسائر مذكرات عبثه.
نعود ونقترب من الشيء فيظهر ويتضخم، فإذا التصقنا به ظنناه بلا حدود، تلك حالنا مع الصور والأصوات والأحياء والأحداث والمساحات وسائر الأوهام. فاعذر جرأتي أيها الأديم النديم إن تمنيتُ الطيران، فالارتفاع يبدد الأدواء والأغلال فليس إلا الصفاء والجمال.
طمأنينة لا يطالها تطفل رنين ولا هذر لسان ولا بذاءة بوق. وتنقطع جوقة الطمأنينة السامية أمام تلوث بليد، أمام ساحر انقلب عليه سحره فمسخه وذهب بلبه فأعلن نفسه أصلا وفصلا، فجهل وظلم وأسر نفسه! أبى وليد التراب إلا حجب الحب وتعطيل الحياة والبخل بالمشاع.
أيها البساط والمرقد، أجزع في مجافاتي لك لولا ما يتقافز على كتفك، ولولا أنني أغدو بالعلو كما بدأت: ذرة بلا وزن، أبتعد عنك لأقترب منك، فكم في البُعد قُربٌ وكم في القرب بُعدٌ، ثم أحط لأتزود بالسهل في حقيقته، الممتنع في سراديبنا، بحب الرحمة وبرحمة الحب، لأكتسي بالنسيج الذي يحوي كل ما فيك وما عليك من هواء وماء وزرع وحيوان وكنز وطبيعة وجمال.
أنا عائد عائد، مهما ودعتك وهربت ستستقبلني متحركاً ثم جامداً. ولم الطيران والبعد ممكن بلا تعب؟ سأحلق بقلبي وخواطري فوق السقوف والجدران والهموم والأشغال، ناظراً إلى الخارجين على تراب أصلهم بالغلوّ، فإذا هم ذرات بالعلوّ، ولم القلق واللهاث والكوابيس، والحياة قد مضت بمن كانوا وستمضي بي وبغيري. ومسك الختام مقالة إيليا أبو ماضي: أنت مثلي من الثرى وإليه فلماذا يا صاحبي التيه والصد؟