الأموات يستمرّون فينا

 

 

درجت العادة العربية أن يٌكرم الكاتب أو الفنان أو العالم بعد موته وليس في حياته، لدرجة أن التكريم يتماهى مع التأبين النهائي لينفضّ الجميع بعد المراسم، كل باتجاه مشاغله اليومية، ويطوى كتاب الفقيد نهائيا، وينسى في زحمة حياة قاسية وكأنه لم يكن. لهذا لا نراكم شيئا من حيث منتجنا الحضاري، ولهذا أيضا نكاد نكون شعبا أو شعوبا بلا ذاكرة. أستعيد بالمناسبة كلمة الصديقة الناقدة الأردنية الدكتورة رزان إبراهيم التي حضرت قبل أيام للمشاركة في الملتقى الدولي: مسارات تحول الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج. سألها شرطي الحدود وهو يرحب بها: زيارة علمية؟ أجابت: نعم، لحضور ندوة خاصة بالروائي واسيني الأعرج، من المؤكد أنك تعرفه؟ أجاب بلا تردد: طبعا أعرفه. ناس ملاح. توفي، الله، يرحمه، في السنة الماضية. أجابت الدكتورة رزان بدهشة: لا، حرام عليك يا سيدي، هو حي يرزق. وسيحضر معنا هذا الحفل التكريمي العلمي الذي يقام على شرفه. أجابها مبتسما: أعرف ذلك جيدا يا سيدتي. لكننا في الوطن العربي لا نكرم كبارنا إلا بعد موتهم. لهذا أستغرب مثل هذه المبادرات التي قليلا ما تحدث في حياة الكاتب. المثل الشعبي يقول. كي كان حي شوقوه في تمرة، كي مات علقوا له عرجونْ (حيّا لم يحصل على تمرة واحدة، وعندما مات علقت له العراجين) لم يكن شرطي الحدود مخطئا في حكمه وحكمته. لقد أصبح التكريم نمطا خاصا بالأموات ولا يتم الحديث عن الأحياء من العلماء والمفكرين والأدباء إلا قليلا، هذا إذا لم يطاردوا في حياتهم ولم يعتبروا أعداء للأمة وهم من أشد المحبين للتربة التي شكلتهم. متى ندرك أن الاهتمام بالفنان والمفكر والباحث حيا هو من شيم الدول التي تراهن على الاستمرار في موروثها ونقله إلى الأجيال الصاعدة، التي يفترض أن تعطي للمعرفة حقها. الأشياء الكبيرة لا تنتقل إلا عن طريق الرموز المرجعية. صحيح أن الاهتمام والتكريم لا يمنح عمرا ولا يوقف موتا حتميا، ولكنه يوفر قناعة كبيرة لدى الباحث أو الكاتب الذي عاش وحيدا في عزلته أنه محاط بدفء الذين تابعوا وأحبوا جهده الكبير ومنجزه الإنساني. جميل أن يُكرم الكاتب مثلا في العالم لأن ما قام به ملك للإنسانية أيضا وليس لمساحة ضيقة من الأرض، عربية أو غيرها، بالدرجة الأولى، في عصر ضاقت في الخرائط وصغرت حتى أصبح عبورها كليا في ساعات أمرا ممكنا ولا يكلف أكثر من رحلات محدودة بالطائرة. لكن الأجمل من هذا كله أن يكرم الكاتب أيضا على الأرض التي منحته الحياة وزرعت النور الأول في عينيه، وتضم رفاته تحت سماء يعرف وحده لونها وغيمها ومطرها وأشعة شمسها. الكبار لا يموتون لكنهم يستمرون فينا. يكفي فقط أن نلتفت قليلا نحوهم.