من وحي مكة
السبت، ٢٢ نوفمبر ٢٠١٤
أوحى لي حوار الندوة التي أدارتها صحيفة مكة في مقرها بأم القرى بين الباحث الفرنسي سليمان زغيدور وعدد من المثقفين حول صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي بأهمية الحوار، وأنه ركن أساس في إقامة الحجة وطريق للبحث عن الحق والحقيقة، وأن جمالية الحوار لا تقف عند إبانة الحق والوصول إليه، فالحوار إنصاف للآخر وسماع لما عند الغير وتقبل للنقد واستعداد لتغيير الحال واتباع الصواب.
لقد بينت الندوة أن صورة الإسلام والمسلمين في الإعلام الغربي شوهت لعدد من الأسباب بقصد متعمد لدواع عقدية أو سياسية أو حضارية أو اقتصادية أو بسبب الجهل بحقيقة الإسلام والمسلمين، أو بسبب الصورة الشائنة التي رسمتها حوادث الفتن في العالم الإسلامي، وفي ذات الوقت بينت الندوة أن صورة الغرب ظلت تتسم بنمطيتها العدائية لدى المسلمين.
وقد توصلت الندوة إلى نافعية عقد مؤتمر دولي تتبناه المملكة العربية السعودية راعية مشروع خادم الحرمين الشريفين للحوار والقائم حكمها على منهج الاعتدال والوسطية يكون موضوعه الوقوف على عوامل التشويه المتبادل وإيجاد الحلول.
ولا شك أن صحيفة مكة بتبنيها مثل هذا الطرح الفكري المتسم بالتنوع والحرية والشفافية إلى جانب ما سمعته من إعدادها لمركز للأبحاث يوحي باستلهامها للتاريخ المكي الذي كانت مكة فيه منبر الحوار الأول في تاريخ الإسلام بين الحق والباطل والعلم والجهل والنور والظلام، الحوار الذي كان من مبادئه التي عمل بها سيد المحاورين محمد صلى الله عليه وسلم الدعوة بالحسنى دون إكراه وقبول الآخر والتعايش مع الغير والعدل في المعاملة على أساس الحق الذي ظهر على يديه.
لقد أوحى لي الحوار أن الاختلاف سنة من السنن الكونية وأن الناس لا يزالون مختلفين وإن كانوا يمثلون الأنا لا الآخر، وإن اتفقوا ملة ومذهبا فإنهم يختلفون فكراً ومنهجاً وأسلوباً، وأن لا مناص من محاورة الآخرين فقد حاور الله خلقه وحاور الأنبياء مخالفيهم وكفى بذلك منهجا.
لقد كانت دعوة خادم الحرمين الشريفين للحوار داخلياً وخارجياً بصيرة وبصراً بأهمية الحوار وضرورة تفعيله في حياة الأمم، وستكون جهود مركز الحوار الوطني في سبيل تفعيل دعوة خادم الحرمين الشريفين بأمس الحاجة إلى التفاعل المجتمعي معها ودعم المؤسسات العلمية والإعلامية لها، وأن النتائج وإن بدت بطيئة فإنها ستتسارع ويتسع نطاقها وتحقق أهدافها في التعاون والتعايش، وستساعد داخلياً على شد لحمة المجتمع السعودي وإذابة عوامل الاختلاف وأسباب الفرقة ودواعي الفتنة، وستسهم خارجياً في تحقيق السلم العالمي والتعايش الأممي والتراحم الإنساني.