يكنزون.. فنشقى!
الجمعة، ٢١ نوفمبر ٢٠١٤
مدينة القنفذة الجميلة الوادعة على شاطئ البحر الأحمر، أمامها البحر وخلفها الصحراء، فوجئت بووزارة الإسكان وهي تبني وحداتها السكنية جوار الطريق السريع، وتجنح بالمستفيدين من خدماتها ناحية الصحراء الشهيرة بمواسمها الغبارية الكثيفة، مبتعدة بالسكان عن البحر حيث الهدوء والمنظر الجميل، وقلة الغبار، وزاد استغرابي عندما تجولت على شواطئ المدينة ورأيت المساحات الكبيرة المفتوحة، لأسأل صديقي من أبناء القنفذة: لماذا لم تبنِ الوزارة مشروع الإسكان على هذه المساحات؟ فتبسم ابتسامة مريبة وأشار إلى قطعة أرض شاسعة: هل تعرف لمن هذه؟ هززت رأسي منكرا، فتلفتَ يمينا ويسارا وتأكد من إغلاق الزجاج، وقرّب رأسه هامسا “إنها ممنوحة لشاب ربما لم تطأ قدماه القنفذة، ولا أدري هل يعلم عنها أم لا، وماذا يريد بها”!تذكرت المئة ريال التي دفعتها رسوما لبرقية استعطاف بليغة للحصول على قطعة أرض، وفرحي بالحصول على رقم الاستفسار عن المعاملة (الحلم)، الفرحة التي اغتالها صوت موظف الديوان الملكي “معاملتك أحيلت للحفظ”، لأنسى الموضوع منخرطا في نفق المديونيات الأسود، حتى ذكّرني به صديقي أمام هذه المساحة الشاسعة التي تكفي لبناء 200 وحدة سكنية على الأقل، ناهيك عن القطع الشاسعة المجاورة، التي يجهل معلوماتها صديقي.
حقيقةً لا أزال أفكر ماذا يريد شابٌ ثريٌّ بأرض في مدينة صغيرة نائية؟ هل سيسكنها؟ أم سيبني عليها مشروعا استثماريا ينفع الناس ويوفر عليهم عناء السفر إلى جدة، ويؤمّن لأبنائها الوظائف؟ لكن هذه الأسئلة كلها تظل مبتورة السيقان عاجزةً، والأرض الشاسعة خاوية من كل مظاهر الحياة، وربما لديه غيرها الكثير في غير القنفذة، ولدى غيره مثله، فيجول في رأسي سؤال صائم، يتحسس آذان إجابة: ما دامت الأرض منحةً من الدولة؛ فلماذا لا يُشترط عليه وعلى غيره إحياؤها في فترة زمنية محددة أو إعادتها إن تراخى في الإحياء، ولماذا تظل في حوزته وهو لا يستفيد منها ولا يترك الآخرين يستفيدون؟إن الحصول على منحة من الدولة لأرض شاسعة المساحة يُعد شيكا مفتوحاً، تزيد أصفاره بالتقادم، فما دامت منحة مجانية لم يدفع فيها الممنوح قرشا واحدا؛ فماذا سيجبره على استعجال البيع أو الاستثمار، وقيمتها لا تعرف اتجاها غير الصعود، وهو بطبيعة الحال مليء لا يحده على الشمس إلا ملل الظل، فبقاؤها أفضل في عُرفه الاستثماري، ليس كالتاجر الذي يدفع الملايين في شراء أرض، ومهما انتظر ستكون مخاوفه من انتكاسة العقار ملحة على استعادة رأس ماله وجني الأرباح، فيبادر تحت ضغط الظنون إلى البيع أو الاستثمار.
وليت صانع القرار التنموي يبحث عن حل لهذه المشكلة.
الحل سهلٌ ميسور، خصوصا في عهد الملك الصالح عبدالله بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ ففي نظري لو تحركت الدولة، وهي قادرة على التحرك في اتجاه مسح وحصر الأراضي الكبيرة الممنوحة لشخصيات متنفذة، في مواقع استراتيجية، وقد تركوها بيضاء لنسيانهم، أو لعدم حاجتهم إليها، أو لانشغالهم بكثير يملكونه غيرها، ستجد أن نسبة لا بأس بها من الأراضي البيضاء التي تؤرق وتعيق التنمية في المدن من هذه المنح المنسية، وفي هذه الحال تستطيع الدولة سنّ قوانين الإحياء المحددة بزمن تستعاد بعده بالنظام، ويستفاد منها في مشاريع تنموية أو تمنح للمواطنين الذين غالبا ما تكون منحهم البلدية في “مهمهٍ قفرٍ من الناس خالي”، وبهذا الإجراء يكون جزءٌ من قضية الأراضي البيضاء قد اندرج في مسيرة التنمية، وحل مشاكل الإسكان، وستأتي حلول الأجزاء الأخرى، فالدولة منحت الأرض لسببٍ وجيه بالتأكيد، لكنها قصّرت في الاشتراطات الضامنة لتحقيق أهداف المنحة، فليس من المنطقي أن يسكن الناس أطراف المدن مبتعدين عن مصالحهم وأعمالهم، ونصف المدن فارغ يستحوذ عليه متنفذون ربما لا يمر ببالهم أنهم سببٌ في إعاقة التنمية، أو شقاء الكثير من شركائهم في الوطن الحبيب.