مختصَرٌ غيرُ مُفيد

ما يُعطى للفقراء من أرزاق عن طريق التوزيع الجماعي الذي تسلكه بعض المؤسسات الخيرية وكأنّ ذلك سحرٌ قلَبَ حياة المساكين بلمسة مفاجئة من أيد لا تعرف العطاء إلا أمام الكاميرا، كلُّ هذا مختصرٌ غير مفيد..

والساعة التي يتفضّلُ بها بعض المسؤولين في الأسبوع أو الشهر ويستقبلون فيها المراجعين زاعمينَ أنهم يسمعون شكوى المتضرّرين بروح الشفافية والبحث عن مواطن الخلل والتقصير رغبة في “التّلميع” هذه الساعة مختصرٌ غير مفيد..
لا يمكنُ أن تكونَ المساحة المُعطاة للطفل ليعبّرَ فيها عن طموحاته ورؤيته لواقعه ووجهة نظره حول أمورٍ تخصّه في الاحتفالات المدرسية والمناسبات الوطنية بشكل مفروض ومرتّب ومدروس وخالٍ من العفوية والتلقائية وغير عائد لأحاسيس وعواطف ذلك الطفل إلا مختصراً غيرَ مفيد.. 
دُخولي على الطبيب في مستشفانا الحكومي بعد مدة انتظار أكلَتْ فيها الحُمى من أضلعي وعظامي وسؤاله لي عن أيِّ شكوى أشكو منها وجوابي له الذي لم يكتمل إلا وورقة الدواء قد كُتِبَتْ وسُلَمَتْ لي مع كلمة “سلامتك” من وجه ضايقَهُ أنني مريض ينشُدُ علاجاً مختصرٌ غيرُ مفيد..
ما يحصُلُ عليه المتقاعد من “ريالات” لا تُعادل نصف نفقته أيامَ كان في العمل دونَ أن يُهيّأَ نفسياً وسلوكياً لهذه “الداهية” التي لا بدّ أن يصلَ إليها كلّ من تفرّغ للعمل الرسمي ولم يستثمر أوقات الدوام في مصالح شخصية وتجارية يُعتبر بامتياز مختصراً غير مفيد..
ادّعاء الإعلام بأنّ حرية الرأي مكفولة في نصف صفحة أو برنامج قناة يُنشرُ فيها شكاوى بعض المواطنين من عدم النظافة في شارعهم أو تأخّر رواتبهم أو عدم وجود مدرسة ثانوية بمنطقتهم وردّ المسؤول بأنّ طلباتهم قد حُوّلتْ للجهات ذات الاختصاص والمصالح ذات العلاقة وهي قيد الدراسة والمعالجة، كلّ ذلك الإسهاب هو في الحقيقة مختصرٌ غير مفيد..
اختزال كتب المقررات وتلخيص المناهج وتقليص الملخّصات وتنصيص ما تمّ تقليصه والتحديد فيه لمكان الأسئلة والتأشير على مواطن الإجابات المطلوبة ثمّ جمعها في قالب واحد لتعبّر بضعُ صفحات عن مقرّر كان في بداية العام الدراسيّ ألف صفحة مساعدةً للطلاب والطالبات فهو عملُ يقفُ شامخاً كرأسٍ للمختصر غير المفيد..
والواقع أنني من مُخرجات عالمٍ من “المختصرات غير المفيدة” لأنّ يومياتنا لا تخلو من اعتمادٍ كبير على اختصارٍ مخلّ بحجّة أنّنا في عصر السرعة والاختصار ولا وقتَ للتطويل وتضييع الوقت في توضيح الواضح، مع أنّ كل الأمور أصبحت غيرَ واضحة ما عدا المختصر غير المفيد..
نسيت أن أختم بأنّ كلمات التطمين المُعادة والمملّة لبعض مسؤولينا بأن (كل شيء تمام) أصبحتْ كذلك مُختصراً غير مفيد..