عند جسر الاكتئاب

كثيرة هي السخافات والعجائب في هذا العصر الذي نعيش فيه!! وليس من المبالغة رؤية مشاهد السخف الصريح التي باتت مألوفة! وربما لم يعد يأبه لها أحد! بل أصبح بعضنا لا يعيرها حتى شيئا من دهشته وإن كرهناها! وكأن الأشياء السخيفة باتت سلوكا معتادا؛ وجزءاً لا يتجزأ من شخصية من يقارفها، فهناك من أدمن على أخطائه السلوكية دون اكتراث أو خجل حتى شغلت السخافة حيزا من شخصيته، وتكونت من عيوبه وأخطائه علامة فارقة عرف بها ودلّت عليه، لتصبح علامته تلك ذات أبعادٍ وأضلاع، تطول بطول انحرافه عن فطرته، وتمتد في عرضها بقدر اعتلال بيئته وقابليتها لانزلاقه وترديه في مهاوي الخطأ! وهي وإن كانت فردية إلا أنها تشكل (مُجتمِعة) علامة أكبر كصورة مقلوبة في المجتمع نفسه والمؤلف أساسا من العائلات التي تقوم على الأفراد، وبالتالي ومع سلوك الاعتياد فإن العلامة الفارقة المشكلة بسحن الأفراد تعكس باجتماعها السحنة العامة التي تسم المجتمع، وهكذا تتشكل البلدان والأقطار والقارات، ولكلٍّ نصيبه من السخافات، كما أن له ثقله في موازين الأخلاق والتحضر والسلوك السوي. 
وقد يتفاقم الأمر ويستفحل، فتشيع أبشع الأخطاء والسخافات في مؤسسات وقطاعات تعتبر أعضاء أساسية في جسد نماء ونهضة الأوطان! فيكون التجسيد بأيدي بعض القيادات التي تتبنى أفكاراً مشوّهة في خطط الأداء وتطوير العمل، بهدف الوصول إلى ما تروم نفوسهم من مكاسب شخصية وأطماع شتى! فيحققون من خلال المساحات الخاضعة لهم إداريا (بالبسط والأحياء) بعض أو كلّ تطلّعاتهم! بتسلل يكون مُيسّراً وآمناً عبر سراديب وأنفاق تتستّر بسطوة النفوذ أو أجنحة الظلام! وهكذا تستوطن الأشباح السلطوية الفاسدة إداريا وماليا المصالح الخدمية، لتسطو على مقدرات وممتلكات الشعوب، وتخفي بشاعتها تحت أقنعة المسؤولية والنظام! وبفعل ذلك تستشري أخطر الأخطاء والسخافات، تلك الأخطاء التي لا بد من دفع ثمنها غاليا من الوقت والجهد في مسيرة التاريخ! ومن بين الأخطاء المثيرة للدهشة والغرابة ظاهرة التمترس بالسذّج، بتنصيب (المتنّحين) المفعمين بالبلادة والغباء وتسليمهم ألوية المسؤولية، والاطمئنان إلى أولئك (المفلسين) في تسيير الأمور وإصدار الأوامر! ولا عجب حينها – بذات الصورة المقلوبة - البحث عنهم عنوة لدحرجة كراسي المسؤولية نحوهم!، بعد ركل المؤهلين ومن لديهم القدرة والكفاءة على حسن التدبير والقيادة! وهنا - وكمتتبع لحقيقة الأمر- قد تتملكك الدهشة فلا تجد تفسيرا لهذه الظاهرة سوى ترسيخ مفهوم «الهدم» لا «البناء»! قد تستنكر؛ نعم! بل وربما تصرخ في داخلك منتقداً ورافضاً تلك الحماقات الإدارية، وستقف (في عقلك الباطن) معترضا بشدة! حتما سيكون هذا موقفك! ومع ذلك قد لا تستطيع القيام بمكاشفةٍ – حتى مع نفسك - لكل تلك الاستنكارات والصرخات (الحقيقة) في واقعك! وستبقى مكتوف الأيدي لتظلّ استفهاماتك مكبوتة ومكنونة بصدرك! إذ ليس لك من الأمر شيء، وأنت أعجز حتى من الهمس بكلمة مسموعة توحي بامتعاضك!. لتبقى كل لافتات الاعتراض والتنديد مغروزة بين ضلوعك معلقة في جواك، منقوشة على جدران حناياك! ثم قل لي - وبرغم الخطوط العريضة الواضحة وكتابتها بكل ما يفهم من اللغات - : من سيقرؤها أو ينصت لها؟! ومن هو الذي سيمر عليها ويقف عندها إلا باختراق صدرك، منتهيا إلى جواك بين المحاني والضلوع؟! وحتى بافتراض شقّ سعادة المسؤول لصدرك ليقرأ استفهاماتك - بانتقاد (متنّحيه) الأفذاذ– فإنك ستراه واقفاً على أرصفة الجوى، وقد وضع قدما على رصيف سويداء الفؤاد، وأخرى في تقاطع طريق «التأثر والشعور» مع طريق حديث ولوم النفوس، وهناك على مقربة من جسر الأسى والاكتئاب يقوم بتهدئة الروع وامتصاص الغضب، فيخطب في زوايا ساحات الضمير المحتشدة بصدرك وقد قرأ ما رفع من شعارات ترفض (المتنحين) وأمعن النظر في اللافتات الثابتة والمحمولة هنا وهناك بصدرك المشقوق.. مطمئناً إيّاك بأنه سيستجيب لكل مطالبك، ومصرّحاً لوسائل الإعلام بعقلك أن غضبك محلّ اهتمامه، وأنه مؤمن بصدق مشاعرك والخوف من تبعات ونتائج الأمر الكارثية، بل يوضّح بأنه مؤيد للهتافات الغاضبة بصدرك: (لا.. للمتنّحين). ثم يُلقي وعداً بمعالجة الأمر فوراً؛ وبمغادرته لصدرك المحتشد بالاستفهامات - والذي قابله بالتصفيق والتحايا – وبمجرد غيابه عن مسرح الحدث ينسى أن يوقظك من تخيّلك!. لكنه للأمانة لا ينسى أن يدوّن وبحرصٍ ما رآه في كشوف «الانتداب»!.