الخمر أم المياه الصحيّة!!

كنت قرأت أن نائباً بإحدى دول (عالمنا الخريفي العربي) - والممثل لحزب يضفي على نشاطه “دعايةً” دينية- أبدى حماسة شديدة لمنع المحلّات من تقديم “المشروبات الكحولية” أو إغلاقها تمهيداً لمنع الناس من شربها؛ فما كان من عضو آخر إلا القيام بمقاطعته قائلاً بما معناه: قبل منع “الشعب” من شربها – أي الخمر- علينا أن نضمن - كممثلين لهم - شرب مياهٍ نقية لم تختلط بالمجاري!
والحقيقة أن ردّ النائب جعلني أدرك أن عالمنا العربي لا يزال محتفظاً ببعض العقلاء! وأنهم بحمد الله لم ينقرضوا بعد! ولا يعني ذلك أنني ضد ما نادى به “الأخ” ممثل الحزب أو أنني أقف ضد ما حرّمه الله من المشروبات المسكرة! حاشا لله ولكن لأن النائب “العاقل” طبّق مبادئ إسلامية حضارية في ردّه المقتضب على زميله “المتحمس” في البرلمان! وكأنه يذكره بمهمّته الأساسية وتجسيد الأمانة التي ائتمنه الناس عليها؛ بترجمة هموم واقعهم ومناقشة قضاياهم الأساسية المتمثلة في توفير “رغيف خبز” و”شربة ماء” نظيفة لا تشوبها الشوائب ولا تسري من خلالها “طواعين المرض”! لقد تحدّث النائب “المتحمس” بما يفكر به هو لأنه ضمن هاتين النعمتين (الخبز والماء) ولم يفكّر في ملايين البشر الذين لا يجدون إلا مياهاً ملوثة يروون بها عطشهم اضطراراً تشبّثاً بالمحافظة على “ضرورة النفس” مع يقينهم التام بخطورتها المباشرة على صحتهم وبما يفوق آثار الخمور وأضرارها المدمّرة على المدى الطويل!
لقد دفع الحماس النائب - المطالب بالمنع - للقفز – جهلاً - على أساس ولبّ المشكلة صوب “النتيجة” مباشرة وأثرها الأخلاقي! دون أن يكلف نفسه البحث عن الأسباب التي قادت لشيوع هذا الأمر الذي ينكره! ليتسنّى له على الأقل “التوصية” بمعالجة الأسباب لئلا تؤدي لهذه النتيجة الصارخة! حلولاً بمعالجة “الفقر” و”الفساد” و”الجهل” و”المرض” باعتبارها “الموقد” الذي طُبِخَتْ عليه طوال عقودٍ من الزمن ثمرةٌ – اسمها الشعب - فقدت حلاوتها بفعل التخمّر لتكون المحصّلة النهائية “ذهاب العقل” وكلّ معاني الحياة!
haddadi.m@makkahnp.com