الحصاد المر
الأربعاء، ١٩ نوفمبر ٢٠١٤
في الأحساء واحة النخيل والشعر والجمال، والأطهار الطيبين، اندلقت دماء الأبرياء في مساء كئيب فارط البشاعة، فقام الوطن على قلب رجل واحد، وقد هزت الفجيعة روعه، وأدمت فؤاده، وتنادى العقلاء الشرفاء فيه حيا على الوطن. وهم يدركون أي معنى خبيثاً وراء تلك الواقعة. وهم يدركون إلى ما... يمكن أن تصل تداعيات تلك الواقعة، لو لم يقوموا باحتوائها وتداركها.
واقعة الأحساء، سمَّعت في الأرجاء كافة؛ فعلاً تداعت له جوارح الوطن، يقظةً وفطنة لما يريده عباد الدم والإرهاب والتطرف، بحسب ما يدركه العقلاء بحكمة لا تغني عن التوقف عند هذه النُذُر. نُذُر ما يحاك لأثمن ما يتوافر عليه الوطن لحمته ووحدته، التي يهون دونها كل شيء.
واقعة الأحساء، نُذُر تقتضي التوقف، والمراجعة، وقراءة هذه الواقعة الأليمة ببصيرة واتزان وعقلانية، لمحاولة فهم مقدماتها ومحركاتها ومعطياتها، بالتوازي مع التعامل الأمني الحازم والحاسم مع هذه الواقعة ومثيلاتها، ذلك التعامل الذي يُدار ببصيرة واحترافية صارت نموذجاً تقيس عليه بقية الدول طبيعة ومستوى إنجازها في هذا الجانب.
غير أن الواقعة النوعية، يمكن أن تمس أقدس ما نفاخر به: أمننا الاجتماعي ووحدتنا الوطنية، هاتان القيمتان اللتان تحاول اجتراحهما ألسنة قذرة، تحركها أدمغة سوداء، وأفكار المغرمين بالموت.
ألسنة ما فتئت تلوك تصنيفنا وتقسيمنا مذهبياً وطائفياً، ويعيش أصحابها بيننا، ويشاركوننا رغيف الخبز وضوء النهار وأحضان الوطن.
يعيشون بيننا ومعنا، حقيقة لا مجازاً. ألسنة ما فتئت تغرس بذور القطيعة بين المذاهب وتزيد من سعير الفرقة بين أتباعها، وتصوِّر كل فرقة بأنهم العدو فاحذرهم. ألسنة تشرِّع كراهية المختلف مذهبياً وطائفياً، فإذا ما اطمأنت لذلك، دأبت على تسويغ إيذائهم بالقول، فإذا ما اطمأنت لذلك، طفقت تتفوه بأن قتلهم قربى إلى الله.
ألسنة لم تنبت فجأة، بل هي عريقة في ترابنا، نمت وربت ووردت منابع الوطن، وشبَّت على مرأى منا، ووطدت أوتاد وحواجز البغضاء والقطيعة بيننا، واستجمعت لها مريدين، ومؤمنين بأفكارها ومنطقها، وكلما صاح صوت طاهر يحذر من سوء المنقلب الذي تقودنا إليه، زيَّفت من نفسها ديناً تهوي بمن يعارضه في قعر النار.
ألسنة لا تخفى ملامحها في سطر يقرؤه أبناؤنا، وكلمة يتفوه بها خطيب، ومتوالية بيانية لواعظ.. منذ زمن الكاسيتات، والمخيمات، ومناشير الفكر الصدئ، إلى زمن تويتر والفيس بوك، وقنوات الجهل والبغضاء، وما يتناقله عبرها البسطاء والسفهاء والغافلون والمغيبون. وعلى مدى سنين طويلة أورقت البذور السامة، وأينعت ثمارها الخبيثة، تتراءى في مشهد يحمل فيه رقيع رشاشه ليردي الأبرياء، يتقرب بإزهاق أرواحهم إلى الله.
واقعة الأحساء، نُذُر تنضح بالدم والموت، وهي الحصاد المر المحتَّم لما استهنا به، أو استعنا به، أو استلطفناه، أو استضعفناه، أو استسغناه على مضض، أو راق لبعضنا من بوادر خطاب المذهبيين والطائفيين والمتعصبين، الذين لم يملَّوا تغذية فكرة شرخ الوطن إلى فريقين، وتقسيمه إلى فسطاطين؛ مذهبياً وطائفياً ومناطقياً، والإيغال في مضاعفة هذا الشرخ ومراكمته بأطروحات وخطب وفتاوى وأصوات وقنوات، تزيد من أوار هذه الفتنة وسعيرها، وتستقطب لها الأتباع والأشياع والمؤمنين المسلِّمين بمقتضياتها.
لم يعد مجدياً، ولا عقلانياً، ولا أخلاقياً، ولا انتماءً وإيماناً وطنياً؛ أن نتقاذف كرة النار، ونتبرأ جُبناً من المسؤولية عنها، ونلقيها على الخارج، أو ومؤامرات تُحاك لنا ثم تصدَّر إلينا ونحن غافلون. أو على فئة قليلة ضالة خارجة على الإجماع الوطني، لأن هذه الحيل الباردة والساذجة، لن تكون طريقاً صحيحاً، ولا معالجة سليمة تخلصنا من الداء.
المجدي أن نعيد فحص خطابنا ومناهجنا ومجاهل مؤسساتنا، والقنوات المريضة التي لا همَّ لها إلا تفتيت لحمتنا الوطنية والعزف على وتر الطائفية البغيض. والمجدي - بعد واقعة الأحساء – أن نتوقف عن المراهنة على حكمة الصامتين، ومداراة المداهنين، وأن لا نتهيب أو نخجل من فضح المتواطئين والأفاقين الذين استطعموا في حادثة الأحساء حصاد السنين المرّ، الذي طالما انتظروه وتطلعوا إليه وتشوَّفوا مثله.