من الذي هاجم البحارة الأمريكيين بإسطنبول؟

في 12 نوفمبر، حدث احتجاج غريب من نوعه في إسطنبول. قرب ميناء سرايبورنو الكبير، كانت السفينة الحربية الأمريكية (يو إس إس روس) قد توقفت في طريق عودتها من مهمة لحلف الناتو في البحر الأسود. بعض البحارة نزلوا من السفينة للتجول في إسطنبول ومشاهدة مناظرها الجميلة. لكن عددا قليلا منهم شاهدوا شيئا أقل جمالاً: مجموعة من القوميين المتطرفين كانوا على ما يبدو مستعدين ليس فقط للصراخ «اذهبوا إلى بلدكم أيها الأمريكيون»، ولكنهم للتأكيد أيضاً أنهم يعنون ذلك. اقتربوا من اثنين من البحارة وقالوا لهما باللغة الإنجليزية: «نحن نعدّكم قتلة، ومجرمين» بعد ذلك ألقوا عليهم بعض الأشياء وفي النهاية وضعوا أغطية على رؤوسهم قبل أن يدعوهم يذهبون.
البحارة الذين تعرضوا للهجوم ربما خافوا أن تُقطع رؤوسهم بعد قليل، حيث أصبح من أعراف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تغطية رؤوس الأشخاص قبل قطع رؤوسهم. ولكن يبدو أن المهاجمين لم تكن تربطهم علاقة مع داعش، حيث إنهم كانوا يرفعون أعلاماً تركية وصورة مصطفى كمال أتاتورك، الزعيم الذي أسس تركيا العلمانية.
بالفعل، هؤلاء الشبان المعادين لأمريكا لم يكونوا مرتبطين بالتيار الإسلامي على الإطلاق، لكنهم كانوا أعضاء في اتحاد الشباب التركي، وهو مجموعة من القوميين والعلمانيين المتشددين الناشطين في الجامعات التركية بشكل رئيس. موقعهم الالكتروني مليء بالمقالات حول أهمية العلمانية التركية، ويقدم صورة لمصطفى كمال وهو يرتدي قبعة مخروطية (قلبق) تم التقاطها خلال حرب التحرير للتأكيد على أنه ضد الإمبريالية.
في السياسة، اتحاد الشباب التركي قريب من حزب العمال، الذي يقوده منذ عقود دوجو بيرنيشيك، الذي اشتهر بميوله الشيوعية في البداية، ومن ثم أصبح رمزا للكمالية المعادية للإمبريالية. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، يعدّ أتاتورك بطلا عظيما كمحرر من النير الغربي. ومن الملاحظ أن نفس الإيديولوجية لها بعض الصدى مع حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري. لذلك ليس من الغريب أن أحد السياسيين الذين دعموا أعضاء اتحاد الشباب التركي بعد هجومهم على البحارة الأمريكيين كان سهيل باتوم، وهو نائب عن حزب الشعب الجمهوري وأحد الأعضاء العلمانيين والقوميين المتطرفين داخل الحزب.
فما الذي يعنيه كل هذا؟ حسناً، هذا يعني أن العداء لأمريكا ميول منتشر بكثرة في تركيا، وهو لا يقتصر على الإسلاميين، كما يفترض بعض المراقبين الغربيين. في الحقيقة، حتى وقت قريب، كان حزب التحرير والعدالة الإسلامي الحاكم يُتهم بأنه دمية في يد أمريكا من قبل اتحاد الشباب التركي وأمثاله.
يجب الاعتراف أن هذا الانتشار الواسع للعداء لأمريكا في تركيا وصل إلى الذروة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003، وبقي موجوداً بسبب الدعم الأمريكي للسياسات الإسرائيلية الاستيطانية والعدوانية ضد الفلسطينيين. بعبارة أخرى، هذا العداء لأمريكا هو رد على آثام الحكومة الأمريكية. لكنه أيضا تعبير عن الثقافة السياسية التركية اللدودة والمتعصبة، والموجودة في جميع أنواع الطيف السياسي في تركيا، من العلمانيين المتشددين إلى الإسلاميين المتشددين.