ثقافتك بكل اللغات!
الجمعة، ٣١ يناير ٢٠١٤
قبل أيام دشنت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية والمجلة العربية، المجموعة الأولى من مشروع الثقافة العلمية للجميع (ثقافتك) بعدد خمسة وسبعين كتابا علميا، تغطي طيفا واسعا من التخصصات العلمية كالطب والفلك والفيزياء والدواء والغذاء، وتهدف إلى مخاطبة عدد من العقول في المجتمع تتراوح ما بين الأطفال وحتى المتخصصين
يؤكد الدكتور عثمان الصيني (رئيس تحرير المجلة العربية سابقاً، صحيفة مكة حالياً) أنه تمت ترجمة الأعمال المقدمة من لغات مختلفة في مقدمتها الإنجليزية، تحت إشراف فريق علمي متخصص في إعداد الترجمة وتدقيقها ومراجعتها والتأكد من مضامينها
فالترجمة ضرورة حضارية ونشاط فكري وعملية لغوية يحتمها الاحتكاك بين شعوب ذات ألسنة متباينة
وقد استغرق هذا العمل حتى تم إتمامه وإخراجه إلى النور حولين كاملين، فهذا العمل الذي قامت به المدينة بالتعاون مع المجلة العربية يهدف إلى خلق وعي ثقافي معرفي لدى المجتمع وتوعيته بأهمية التفاهم بين الحضارات، وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة في إطار مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز لخير هذا الوطن وأهله
ترجمة الكتب في التاريخ الإسلامي تعود بدايتها إلى خالد بن يزيد بن معاوية كأول من اهتم بترجمة كتب الأمم الأخرى إلى اللغة العربية، فقد أمر بإحضار مجموعة من فلاسفة اليونان القاطنين مصر الناطقين بالعربية لينقلوا كتبا باليونانية والقبطية إلى اللغة العربية في مختلف علوم الطب والنجوم والكيمياء
تبعه الخليفة عمر بن عبدالعزيز فنقل إلى العربية بعضاً من كتب الطب والدواء، حتى كان العصر العباسي فأخذت الترجمة حظها من التوسع والانتشار والإنفاق عليها، خاصة في عهد أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد، الذي أسس بيت الحكمة وجعل فيه مركزا للترجمة والنشر
واستمرت ترجمة كتب الآخرين وتوسعت، فأثرت المكتبة العربية بالكثير من علوم الآخرين في عدة مجالات، مما كان له أثر عظيم في انتشار العلم والمعرفة والحركة العلمية، إيمانا من هؤلاء بأن الترجمة تبني جسورا بين الجماعات الإنسانية عبر العصور، فتيسر سبل التواصل والتفاعل فيما بينها، فالترجمة هي البوابة التي تعبر فيها الذات إلى الآخر في عملية تلاقح نتائجها خير وبركة
كما أن الترجمة تعمل على إحداث نهضة ثقافية علمية اجتماعية بنقلها المفاهيم المختلفة من الثقافات الأخرى وحضارات الأمم وعلومها واستكشافاتها، وأن أغنى العصور الفكرية هي تلك العصور التي تزدهر فيها الترجمة وتتوسع وتأخذ حيزاً كبيراً على الساحة الثقافية
وفي حوار مع المفكر التونسي محمد علي اليوسفي أوعز أن الثقافة العربية المعاصرة مدينة للترجمة في قسم كبير منها تماماً كما في العصر الذهبي للترجمة منذ العصر العباسي، مع فارق أن تلك الحقبة التاريخية كانت تشكل مرحلة صعود، حيث كانت الترجمة مشروعا للدولة
وقد أكد الباحث عبد القادر الفاس (الترجمة والتوطين والسياسة اللغوية) أن اللغة العالمية هي ليست تلك اللغة التي يتكلمها أكبر عدد من الناس، بل هي تلك اللغة التي ترجم إليها أكبر عدد من الأعمال من مختلف اللغات
يذكر التاريخ أن حمورابي عندما سيطر على بلاد سومر وجد أن للسومريين ثقافة عظيمة، وعلو كعب في أغلب العلوم، فهم أول من اخترع العجلة والمحركات، وسن القوانين والتشريعات، وفتح المدارس وعلم فيها الكتابة المسمارية، فأمر البابليين أن يعلموا أولادهم السومرية فتمت كتابة الرموز والحروف السومرية ومقابلتها بالبابلية كبدايات للمعاجم اللغوية
ولعل أقدم أجهزة الترجمة المؤطرة بمترجمين متخصصين مزودين بمعاجم ثنائية اللغة وجدت في بابل في العراق قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام
إن الحوار وما يدور بين المتحاورين من شتى الأجناس البشرية له دور كبير في بث ثقافة السلم والأمن ومعرفة الآخر وتعلم علومه والتعرف على ثقافاته والعيش بسلام معه
وهنا يأتي دور الترجمة لتثبت مدى أهميتها وما تملكه من مفاتيح ذهبية في تأصيل عملية الأمن والسلام العالمي والانفتاح على الآخر وتفهم طبيعة الاختلاف وأهمية التعددية في عالم متحرك لا يتوقف
إن الترجمة أداة التواصل الإنساني والسعي إلى المعرفة
أسباب التقدم والرقي لدى الأمم قاطبة
وقد آمن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهو يقود وطنه نحو العالمية والازدهار، برؤية ثاقبة بعيدة ومستنيرة بمد جسور التواصل الثقافي بين الشعوب، وتفعيل الاتصال المعرفي بين الحضارات، بأن جعل للترجمة جائزة عالمية، تتمثل في جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للترجمة تكريما للمتميزين في الترجمة، وتشجيعا على المزيد في هذا المجال لينقل ما فيه خير الإنسانية وإسعادها
وما زالت الجائزة مستمرة في عقد دوراتها الناجحة حتى بلغت السادسة، وتتلقى أعمالها من مختلف دول العالم، إيمانا بأهمية الترجمة في حياة الأمم والشعوب
وبما أن العمل الأخير الذي قامت به المدينة مع المجلة العربية عمل جليل، فإنه لابد من أن ينتج ذلك ثورة ثقافية بعنوان ثقافتك، تكون هذه الثقافة بعنوان (القراءة للجميع)، تجعل كل ما ترجم من هذه الأعمال وغيرها في متناول الصغار والكبار، في مكتبات مدارسهم، في حصص المطالعة، وفي المولات الكبيرة والأسواق والمؤسسات والمطارات وأماكن الانتظار
ثقافة بالمجان تحبب القراءة والاطلاع للنشء، وتعزز من ثقافة القراءة، وترسخ مبدأ معرفة الآخر واحترامه بل واحتوائه، على غرار ما تم في فعاليات أرامكو السعودية (إثراء المعرفة) كأحد فعاليات مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، يطوف مدن المملكة حاملاً كل ما تمت ترجمته عن اللغات العالمية إلى لغتنا العربية
فالكلمات كالقبائل الرحل بلا عنوان ثابت، ترحل في كل الجهات منتشرة في كل أنحاء الأرض، تقتحم كل العقول وتداعب كل الأحلام
nagib.y@makkahnp.com