الصفاقة في الحق

بينما أنا جالسة في صالة الانتظار في المطار، لاحظت رجلا يأكل بذر (فصفص) ورغم أنه كان واقفا بجانب سلة القمامة إلا أن بقايا القشر تناثرت بشكل مقزز ما بين غطاء القمامة والأرض. جلست للحظات أفكر، ثم أخذت نفسا عميقا واتجهت إلى الشخص لأقول له بصوت منخفض نسبيا (يا أخي الفاضل أرجو أن تنتبه أين ترمي) ليرفع إليّ عينين مصدومتين، مستنكرتين ويقول (وانتي مالك!) فرددت عليه بهدوء (إنك تقوم بتوسيخ مكان عام، والمكان العام ملك للجميع) وعدت لأجلس في مكاني.
دخلنا إلى أتوبيس الطائرة، والذي كما تعلمون يحتوي فقط على عدد أربعة أو ستة أماكن مخصصة للجلوس فيما يظل الأغلب واقفا. كنت قد قرأت قبلها تعليق إحداهن في الفيس بوك بخصوص عدم لباقة البعض في أتوبيسات الطائرة حيث يجلس الرجال ويتركون النساء وكبار السن واقفين. حين اكتمل العدد نظرت حولي فوجدت رجلا عجوزا بعكاز واقفا، في حين أن رجلا شابا يجلس على المقعد. أخذت نفسا عميقا وتوجهت إلى الرجل الجالس لأقول له بصوت منخفض نسبيا (يا أخي الفاضل هناك رجل عجوز بعكاز يقف هناك، أرجو أن تدعوه إلى الجلوس مكانك)، تعامل الرجل مع صدمة جرأتي ببطء نسبي، لينتفض فجأة من مقعده داعيا الرجل العجوز إلى الجلوس بكل تهذيب وإصرار.
في الطائرة (رحلة متصلة من مطار أجنبي) جلست بجانب شخصين من أستراليا، وحين استفاقتهما من صدمة أنني من السعودية بسبب شكلي ولغتي التي تتناقض مع ما يقدمه لهم الإعلام من صورة تعميمية، دخلنا في نقاش جميل عن الإعلام والسياسة ومنطقة الشرق الأوسط. وفي مجمل الحديث وجدتهما يطلقان اسم (إسرائيل) على فلسطين. هنا أخذت نفسا عميقا آخر، و قررت أن أقول (عذرا لتغيير الموضوع ولكن أريد فقط أن أنبهكما إلى حقيقية معاصرة مستندة إلى حقائق تاريخية. فما تسميانه إسرائيل هو في الحقيقة فلسطين) لأتبع ذلك التعليق بشرح مبسط لكيفية دخول اليهود فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، والتبعات التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي.
بيت القصيد من سردي لهذه المواقف هو الوعي بأن جزءا من انحدارنا وتأخرنا حضاريا سببه سلبيتنا في التعامل مع المواقف التي تستدعي المبادرة سواء في التنبيه أو التصحيح. فكم من مرة رأيت خطأً وشعرت بنفسك تكاد تفعل شيئا ولكنك تهيبت العاقبة ولسان حالك يقول (وما دخلي!). سياسة (التطنيش) هذه شجعت الناس على المجاهرة بالخطأ دون خوف من العواقب. فمن سيخاف أن يرمي علبة المشروب الغازي بطول يده وهو يعلم أن أحدا لن يجرؤ أن يقول له كلمة. ومن الناحية الأخرى من سيجرؤ أن يدخل على صف انتظار وهو يعلم أن الجميع سينهره.
لذا فلنبادر جميعا، حتى نصل للمرحلة التي نمتنع فيها عن الخطأ، ونفعل الصحيح بوازع واقتناع ذاتي. وحينها فقط سيتحقق لنا الفضل الإلهي بأن نكون خير أمة أخرجت للناس. فتشجع ولا تهتم، ولو اعتبرك البعض صفيقا فقل لهم (ما أجمل الصفاقة في الحق).