نحو ثقافة "التعليم والتدريب معًا"
الثلاثاء، ١٨ نوفمبر ٢٠١٤
بسبب طغيان الجانب المعرفي على الجوانب المهارية في التعليم ما قبل الجامعي، يستمر عند كثير من المعلمين والمتعلمين الشعور بأهمية الجانب العلمي أو المعرفي البالغة في مرحلة ما بعد التعليم الثانوي، وهذا الأمر لا غبار عليه، وإنما الإشكال في غياب أو تغييب الجوانب المهارية والتدريبية بشكل شبه كامل، وفصل المحتوى المعرفي التعليمي عن الواقع، واعتبار الجوانب المعرفية الغاية من العملية التعليمية.
وإذا ما تم قياس نسبة التدريب والتأهيل عبر مواقع العمل التي يتطلبها التخصص عقب التخرج في كثير من مؤسساتنا التعليمية التي تعنى بتعليم وتأهيل الطالب بعد المرحلة الثانوية، فإنك ستجد أن النسبة ضئيلة جدًّا، وأن التركيز والاهتمام منصبان على الجوانب العلمية والمعرفية، وهي جوانب تتغير وتتبدل وتتحدث وفق ما يستجد من معطيات معرفية .
ويبدو الإشكال أكثر في المجالات النظرية؛ إذ كلما كان المجال أقرب إلى العلوم الإنسانية والإدارية والشرعية كان الاهتمام بالجوانب المعرفية البحتة كبيرًا جدًّا، وغابت العناية بالجوانب العملية والتدريبية والمهارية، إلى الدرجة التي تجد فيها من يحمل درجة البكالوريوس في الشريعة أو اللغة العربية أو الإدارة أو التاريخ وسواها وهو لم يخرج خارج قاعة الدرس إطلاقًا، وتجد الخطة الدراسية التي لا تقل في الغالب عن 130 ساعة تدريسية خالية ولو من مقرر واحد يعنى بالتدريب والتأهيل ويمكّن الطالب من أن يزور جهة خدمية أو وظيفية تتصل بعمله وتتقاطع مع تخصصه ومساره ولو ليوم واحد في الأسبوع في الفصل الدراسي الأخير.
إن العناية بالجانب المعرفي أو العلمي أمر جيد، غير أن اعتباره الغاية وتغييب الجوانب الأخرى هو أمر خاطئ، ومن سمات الشخصية الناجحة أن يكون لديها قدر جيد من المعرفة، وأن يوازي هذا الجانب عناية بالمهارات والخبرات اللازمة والتدريب.
وإذا كانت الاتجاهات الحديثة في التدريس والتخطيط وبناء البرامج والخطط الدراسية قد عُنيت بما يسمى التدريب التعاوني وبالجوانب المهارية والعملية والشخصية ومهارات التعامل مع الآخرين فإن تفاعل المؤسسات التعليمية مع هذا الاتجاه ما زال دون المستوى المطلوب، وما زالت الجامعات وكثير من مؤسسات التعليم بعد الثانوي تقدم أعدادًا هائلة من الخريجين الذين تسلحوا بالعلم والمعرفة ولكنهم لم يتسلحوا بالتدريب والتأهيل (المهني) الكافي.
إن المعرفة وسيلة وليست غاية، ولذا فإن (التعليم والتدريب معًا) شعار يستحق أن يُرفع في مؤسساتنا التعليمية، ومفهوم جدير بأن يكون ثقافة نصدر عنها في تعاطينا مع المعرفة وتوظيفنا لها.