هل كنت ستصادق نفسك؟
الثلاثاء، ١٨ نوفمبر ٢٠١٤
سؤال فلسفي عميق يمر علينا في أحيان كثيرة على ألسنة البعض؛ وقد يتم ذلك بنية طيبة ممن يسألنا، وقد يحدث بعد إصرار وترصد منه، فهذا السؤال تصعب الإجابة عنه بصراحة تامة، وحتى لو أجاب أحدنا بتسرع فربما أنه لم يستوعب عمق ومجارير السؤال، فلعله يحاول إظهار نوع من الثقة القوية بما يعتقد وما يقول ويصنع، ولعله في حالات نادرة جدًا يكون سهل الإجابة عند نقيضين؛ الأول هو الواثق من نفسه ومن هدفه ومن جميع أقواله وأعماله ومظهره الخارجي، وتطابقها مع نواياه وجوهره وأسراره. والثاني هو الكاذب بقلب بارد، وعين لا يهتز لها إنسان، فسيؤكد لك بديهية ذلك، وكأنه حقيقة ثابتة، رغم أنك ستظل تشك وتتساءل، وتخشى أن تجرحه بذكر التناقض الواضح، بين صورته، وبين ما يقول مما يجعل من مقولته مجرد كذبة وافتراء.
قناعتك بصدق جوهرك، وتطابقه مع المظهر ينتج حالة شفافية، وعدم قناعتك قد تعطي دلالة التردد والشك، وقلب واجهات الكلام، ليعود على السائل بأسئلة مشككة في النوايا. وقد تكون خبرتك، وربما خبثك مدعاة للقفز على أسوار السؤال الشائك، وربما محاولة تمويه أثار خطوات الهروب.
كل يعرف نفسه، وقد يدخل في حالات إنكار تزيد وتنقص، وتنتهي وتستمر، ولكنها محدودة بحد، إلا عند من بلغ درجة الكذاب، الذي يكون خلالها يصدق كذباته، ويعتقد أن الآخرين مخطئون في ظنهم فيه!.
الكذب هو الممر المنزلق المظلم الغامض النتائج، الذي يُدخل الإنسان نفسه فيه.
عندما يصبح الإنسان كاذبًا سيجيب باقتدار على أي سؤال يواجهه؛ ولكن هل يكون مقنعا للغير؟. وهل هو مقنع لذاته؟.
لو كنت كاذبًا، فمن المؤكد أني لن أرغب في مصادقة نفسي، أو مصادقة من هو مثلي، لأني عندها لن أثق فيه البتة، فأنا أعرف كيف يمكن أن يعاملني بكذباته، وكيف أني سأكون طوال الوقت حذرًا خائفا أترقب الغدر من كل الجهات؛ غدر يأتيني من شدة جهلي بما سيقول، وما سيفعل.
ولو كانت كذباتي متوسطة الخطورة، بحيث أني لا أضر بها أحدًا - وهذا شبه مستحيل- فإني سأخشى أن يستخدمها صديقي في حالة غضب أو حرج، بشكل يجعلني أندم على تلك الصداقة طوال عمري.
خلاصة القول إن هذا السؤال مفيد لنا جميعا بأن يطرحه الإنسان على نفسه، وأن يجيب عنه بشفافية وإخلاص، ليعرف قدر قيمته مع أحبته، وأهله، ومجتمعه.
وكم هو جميل أن يكتشف بأنه من الممكن أن يصادق نفسه!، وكم هو كارثي أن يعرف بأنه لا يمكن أن يصادق نفسه، وأن يأمن لها في يوم من الأيام.
ومن المفيد أن يشعر الإنسان بحقيقة نفسه، وأن يعرف علاته، وأن يبادر لإصلاحها، بنية طاهرة صادقة تحلم بأن يكون هو الصديق النموذجي، في عصر قل، وندر فيه الأصدقاء المخلصون.