محاولات نـَهشْ.. المثقف والسلطة
الاثنين، ١٧ نوفمبر ٢٠١٤
القريب من المشهد الثقافي السعودي يضع يدهُ دائماً لا على قلبه، بل فيه تماماً، كما يفعل طبيب الجراحة المتقاعد حين يراقب شاشة العرضِ في مكان بعيد على أمل ألا يخطئ أحد في حقّ تقاليده وأخلاقه وأماكن أدواته التي أصبح يعرفها، بعد أن تقدَّم في السنِّ، كما يتهجى أعمار أبنائه البالغين.
معضلته الكبرى، هذا المشهد، أنه ابتلي كلما تقدّم في السن ليصبح وظيفةً تتعدّد الأيدي عليها لتحيل أي عمل إلى ملفّ معلّق من رقبته في الأدراج.
ومشكلة الثقافة متى ما تحوّلت إلى وظيفة أن أنفاسها تحبسها المواد البلاستيكية التي يصنعها السلم الوظيفي بحيث يصبح التعامل مع القصيدة مثلاً على أنها بيان ضد مسار جملة (إشارة إلى خطابكم رقم.. وتاريخ) ومع الرواية على أنها أقل استحقاقاً من المرتبة العاشرة بمسمى سكرتير مكتب مدير عام ومع الفلسفة على أنها بلا أرقام ولا هويّة اجتماعية وبلا سائق خاص ولوحة في الخلف تحمل رقماً صعباً!
الوظيفة الحكومية هي مواد بلاستيكية في مسارنا الثقافي، لا لصعوبتها أو صعوبة اقترابها من أي إضافة ممكنة بقدر سهولتها على مناخ التدرج الحكومي وصراعات الملفات التي يمكن أن نسميها ملفات دارجة والاستحقاقات وعدمها حتّى.
كلنا يعرف ما تتمتّع به الوظائف ووساطاتها في أي مؤسسة حكومية وكيف يتم فيها تبادل المنافع والمصالح الشخصية وكيف تُمرّر القضايا الصغيرة وكيف تدار المعارك بوجهها الأكثر بشاعة وكيف هي حسابات الربح والخسارة فيها، نعرف لأن معظمنا أبناء هذه المؤسسات التي تتعرّض يومياً لحياتنا بصفتها مصدر رزق مثلاً، أو هكذا علمتنا هي كيف يمكن أن تصبح بالنسبة لنا، وماذا علينا أن نفعل بها لكي لا نجوع!
أما المشهد الثقافي للآتين من خلف طاولات المزادات على الأرقام الوظيفية فهو مجرد “عمل” عليهم أن يمارسوه مثلما يفعلون دائماً وبصفته ووصفه المناخ الذي لا يزال سائداً داخل كل منظومات العمل الحكومي.
كل هذه المعتقدات التي تحيط برقبة الثقافة، وبالمناسبة أنا لست وصياً عليها، كلها تضبط فعل الخنق متعمِّدة أو مسيطرا عليها بصفتها سُلطة ترى من واجبها ممارسة كل أدوارها بإتقان لا يجيده غيرها وعليها إثبات أنها كذلك لترفع رأسها أمام الناس بما أنها “تدير” عملاً ثقافياً، وهذا ما سيحيل كل فعلنا الثقافي إلى عمل مقيّد ضد حرية الثقافة وإنتاجها.
رأيي الشخصي أن الثقافة تقف وجهاً لوجه طوال حياتها ضدّ التنظيم بما أنها ممارسة حرّة خارج أي سلطة كانت وأي محاولة لتنظيمها يجب أن تكون بشروطها الثقافية وأولها أن تكون حراً فيما تنتج وكيف تنتجه بما أنه يمثل موقفك وحقلك المعرفي والجمالي، ما يعني أن المؤسسة الحكومية التي تستعد لـ “تنظيم” نشاط ثقافي عليها أن تتعامل خارج سياق مهماتها في المباني الرئيسية وغرف الاجتماعات وخطابات الصادر والوارد وإلا، متى ما نقلت هذه العدوى، فإنها تمارس دورَ مؤسسات أصابتها عراقة العدوى وتاريخها المرضيّ وبالتالي فهذا الدور هو نقل لكل الأمراض المعدية إلى الثقافة وإلى المشهد والتاريخ الذي صنعناه معاً سواء بإحكام القبَضات أو بالاستسلام لها.
لا أعرف أبداً أن الثقافة تأتي بالتوسل والاستجداء الذي ينتظره موظف بمرتبة مدير إدارة أو سكرتير مدير عام أو رئيس لجنة، ولا يجب أن نُعرِّف الآخرين بأن لنا رهاناً لنخوض معركة أضداد أو أعداء ولا أعرف أن المؤسسة عليها “تنظيم” نشاط ثقافي ما لم تعترف بأن الثقافة كلها دون استثناء ممارسة حرَّة ولن أدخل في وصف أو تعريف حدود حريتها لكي لا ندخل في حرب مفاهيم مُعلنة.
علينا جميعاً أن نسهم في تفكيك هذه الشروط التي تمت تغذيتها داخل المؤسسات لتكون ضد المثقفين أو ضد ممارساتهم في الفن والإبداع والكتابة لكي لا تحيلنا النتائج إلى مجتمع عاجز عن الفهم وعاجز عن الخلاص من السلطات التي تتوالد فينا.
هذا الفهم مشروط بالاعتراف أولاً بأن كل المهام التي على المؤسسات أن تبذلها هي رهن إشارة المعرفة والاختلاف وحرية المثقف وتغيير مفهوم التنظيم من كونه “سلطة” إلى كونٍ آخر يرى المثقف والفنان جزءاً مهماً من الجغرافيا والعقل والتاريخ ليكون احترامه أهم الواجبات والحفاظ عليه أول الاهتمامات وإطلاق الأيدي من رقبته حقاً يعادل حقه في الوجود الحرّ.
كل ذلك متى ما حدث فهو سبيلنا للخلاص من فكرة الصراع التي دائماً “تدور” مثل حلقة فراغ كبير ليفتك بعضنا ببعض وكل واحد منا يعتقد بأنه الأب الكليّ لكل كراسي العالم وكل أفكاره القادرة على فرض الواجبات ورسم الخرائط ومحو الفوضى أمام الآخر متى ما استضعفه!
الضَّعف هو أن نكون المرضى أمام عالم يخلق آلاف المسارات والطرق للحياة ويعطي المثقف ألف رئة ليتنفّس حريَّته من أجل حياة أطول مما يتوقّع.