3 مشاهد عربية
الاثنين، ١٧ نوفمبر ٢٠١٤(مأزقنا أننا وُلدنا في فجوة بين هُويتين؛ عروبة الماضي العِرْقية المُتَوَهّمة تلك التي ماتت، وعروبة المستقبل كرابطة حضارة ومواطنة تلك التي لم تولد بعد).
المشهد الأول:
المعلق التلفزيوني يلتقط أنفاسه بصعوبة، محاولا ملاحقة الإيقاع السريع للدقائق الأخيرة من مباراة كرة القدم بين منتخب بلده العربي ومنتخب بلد الجيران.. المنتخب العربي بحاجة للفوز لكي يتأهل لنهائيات البطولة القارية، لكنه خاسر بهدف، رغم أنه (في ملعبه وبين جمهوره) كما يتحسر المعلق الذي يصيح في الجماهير لكي تدعو الله، وتلح في الدعاء، لينعم على لاعبي خط الهجوم بجرعة سماوية من المهارة واللياقة ليتمكنوا من إحراز هدفين في خمس دقائق، يفوز بهما (الوطن)!
وفور أن تنتهي المباراة، وتتأكد خسارة الفريق الذي يشجعه المعلق، يتهدج صوته، ويشرع في النحيب، ويلتمس بنبرات باكية العذر من المشاهدين، لأن الألم أشد من قدرته على الاحتمال!
وبينما لا تبكيه كل الويلات الأخرى التي ما تنفك تضرب ضلوعنا، فإن خسارة المنتخب في مباراة لكرة القدم تصيب المعلق التليفزيوني بألم أشد من قدرته على الاحتمال، فيبكي على الهواء أمام الناس!
ليتنا – أيها المعلق المرهف الحساس - نُهزم في كل مباريات كرة القدم التي ستلعبها منتخباتنا منذ الآن وحتى يوم القيامة، شرط أن نحقق بين الحين والآخر انتصارات ولو صغيرة في الاقتصاد، أو السياسة، أو البحث العلمي، أو التعليم، أو التصنيع، أو الزراعة، أو.. إلخ.
المشهد الثاني:
في مساء ذات اليوم الذي أغلقت فيه إسرائيل المسجد الأقصى للمرة الأولى في التاريخ أمام المصلين، في مساء ذات اليوم الذي أعلن فيه الإرهابيون الدواعش نيتهم سك عملة دولة الخلافة، على أن تحمل على قفاها خريطة العالم كله الذي سيفتحونه قريبا بحد السيف، وفي مساء ذات اليوم الذي قالت فيه الأمم المتحدة إن الأزمة الإنسانية للاجئين السوريين خرجت عن نطاق السيطرة، وتنذر بكارثة كبرى مع هجوم الشتاء القارس، في مساء ذات اليوم الذي احتل فيه الحوثيون مدينة يمنية أخرى، واحتلت فيه الميليشيات مدينة ليبية أخرى، في مساء ذات اليوم الذي واصل فيه اللبنانيون عجزهم عن اختيار رئيس لدولتهم، وابتكروا الشعار التالي: (دولة مثل لبنان بلا رئيس أحسن من رئيس بلا دولة مثل سوريا!) في مساء ذات اليوم الذي واصلت فيه أسعار النفط انخفاضها القياسي، لتهدد ميزانيات كل الدول العربية النفطية، وكل الدول العربية الأخرى التي تمد يدها لتلقي مساعدات الدول النفطية، في مساء ذات اليوم الذي استُشهد فيه رجال أمن بواسل دفاعا عن المدنيين الآمنين في مصر والسعودية في مواجهة إرهاب وغد لا ذمة له ولا أخلاق..
في مساء ذات اليوم الحافل بالأحداث، انشغل الفيس بوك وتويتر العربيان بالحديث عن الفستان الذي ظهرت به هيفاء وهبي في ستار أكاديمي!
المشهد الثالث:
ماذا لو أن البائع الفقير محمد البوعزيزي تلقى صفعة الشرطية التونسية على قفاه بصبر وتجلد يليق بعربي ذليل، ولم يحرق نفسه ثأرا لكبريائه المهين؟
أكانت كرة النار قد تحركت من تونس إلى مصر واليمن ثم ليبيا وسوريا، مع تفشي شرارات متناثرة منها أشعلت حرائق متفاوتة الخطورة في معظم الدول العربية الأخرى؟
أم إننا – نحن العرب - كنا سنبقى على حالنا لخمسين سنة أخرى، أو ربما إلى الأبد؟
إنه سؤال مرعب حقا!
وأظن أن علماء الاجتماع والمؤرخين سينشغلون لسنوات للإجابة عن هذا السؤال، ولكن السؤال الأهم الآن هو: كيف نقي أنفسنا – نحن العرب - شر انفجارات أخرى، قد تودي بما تبقى منا هذه المرة؟ لا ضمانة للاستقرار إلا العدل والحرية والازدهار..
والترياق الوحيد لنا ولأولادنا هو أن نصنع بإرادتنا الحرة وبشجاعة زمنا عربيا جديدا لا يخجل العربي فيه من عروبته، ولا يحلم بالهجرة إلى أوروبا أو بالجنسية الأجنبية له ولأولاده.
أن نصنع بإرادتنا زمنا عربيا فيه الاتحاد الأوروبي شمال المتوسط والاتحاد العربي جنوبه، اتحادان يضمان دولا ديموقراطية وثرية ومزدهرة ومبدعة ومتحضرة.
لأننا إن لم نبادر بفعل ذلك؛ هلكنا.