شعب الله «المُنتظِر»!

لكل الشعوب على وجه الأرض موضوع اعتادوا أن يكون مدخلاً للحديث، فبعض الشعوب يكون الحديث عن الطقس هو مدخل للكلام أو حتى التعارف، وبعضها يجعل (النكتة) هي رسول الحديث الأول، وبما أننا جزء من هذا العالم فإن لنا طريقتنا لتهيئة مدخل للكلام، وبما أن الحاجة للكلام والثرثرة تكون مُلحة في أوقات الانتظار، فإننا بالتأكيد لدينا فسحة ومبرر أكثر للثرثرة، فنحن من أكثر الشعوب ارتباطا بمفردة «انتظار»، فعند حاجتك للعلاج فإنك بحاجة للانتظار طويلاً حتى يصلك الدور وتحصل على موعد رسمي للانتظار الرسمي، وإذا كتب الله لك عمراً وانتظر المرض حتى وصول الموعد فستجد «رحلات الطيران» تُحيلك بقدرة «غادر» إلى مقاعد الانتظار مجدداً، والغريب أن حتى التقنية روضناها على مقياس انتظارنا، حتى اعتدنا سماع مفردة «انتظر حتى يصلح السستم»!، وحتى على المستويات الأعلى ما زلنا ننتظر كلمة الفصل في قيادة المرأة للسيارة، فالأغلبية تقول إن قيادة المرأة للسيارة ليست مخالفة شرعية، والقانون لا يوجد به مادة صريحة تمنع قيادة المرأة للسيارة، والمرور «يخالف» المرأة عندما تقود السيارة؛ لأن قيادة المرأة للسيارة «عيب»، وما زلنا ننتظر فتوى تحرمها أو قانونا يجرّمها، لكن قدرنا مزيد من الانتظار، وما قصة انتظار الأراضي البيضاء عنّا ببعيدة، فالحكومة تنتظر رأي الشرع، والشرع ينتظر رأي أهل الاقتصاد، وأهل الاقتصاد ينتظرون رأي المطورين العقاريين، والمواطن ينتظر كل هؤلاء!
وهذا الكلام ليس من قبيل جلد الذات، بل إننا كمواطنين منسجمون جداً مع حالة الانتظار، فهذا من ثقافتنا وحمولاتها التي تتوجس دوماً من «السرعة» واستدعاء الأدلة الشرعية التي تنبذ «العجلة» وتوظيفها في سياق يخدم كسلنا وترددنا من اتخاذ القرار، رغم أننا متفقون أن الأمر يستوجب حلاً سريعاً، وكل منّا يؤيد القرار لكنه لا يريد أن يكون هو من يحسم الأمر، بل يريد غيره أن يبادر بذلك، والسبب أنه في حالة نجاح القرار فإن الكل سيسوق نفسه كونه من المؤيدين له، وعندما يفشل يكون هناك (خط رجعة) فيمارس النقد ويكون البطل الذي هبّ لإنقاذ المواطن البسيط !
وهنا في هذه المقالة أثبتُ أن جينات الانتظار تجري في عروقي، فقد تجاوزت نصف مساحة المقالة وأنا «أنتظر» جملة مناسبة تكون مدخلاً مناسباً لما يُعرف أدبياً بـ«حُسن التخلّص» لأنتقل من موضوع الانتظار، وأربط أفكار المقالة من جديد، ولأنني بدأتها بالطريقة التي تفضلها بعض الشعوب عندما يكونون على مقاعد الانتظار، فإنني لا بد أن أتكلم عن طريقتنا نحن عندما نريد أن نقتل جزءا من حياتنا، فحياتنا هي مجرد انتظار طويل الأجل، فمدخل حديثنا (على الأقل في العقدين الماضيين) يكون عادة بالحديث عن (الفساد)، ولا أدري هل ذلك أمر سلبي أم إيجابي؟
هل هو إيجابي كون الحس الوطني والنقدي والرقابي ارتفع لدى المواطن، أم سلبي لأن الحديث عن الفساد لم يعد أكثر من مجرد مقدمة للحديث – مجرد مقدمة – ينتقل بعد ذلك المتحدثون لمواضيع أكثر أهمية؟!
ولهذا أعتقد أن الحديث عن الفساد لعشر سنوات هو أمر ممل، ويجب أن ننتقل بسرعة للمربع الثاني دون انتظار، أعني الانتقال من الحديث عن الفساد إلى الحديث عن المفسدين!
أؤكد مرة أُخرى أن الأمر لا علاقة له بجلد الذات، فلولا سعة الانتظار لما قرأنا (التغريدات الرومانسية)، ولفقدنا متعة السؤال عن حكم أكل لحوم البشر غير المسمومة؟، أو عن حكم «تسويد» الحواجب الشقراء.. أو عن سر.. أي شيء فيه كلمة سرّ سيكون الانتظار هو الشيطان الذي يكمن في تفاصيله، و» انتظرونا» في الأسبوع القادم!