العلل الثقافية تعطل وعينا بالقراءة
السبت، ١٥ نوفمبر ٢٠١٤
تخبرنا معجمات اللغة بأن أصل اشتقاق كلمة القراءة من قَرَأ أي جَمَعَ؛ فالقراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض كما في ترتيل القرآن مثلا، لكن المعجمات لا تعطينا - كالعادة - إلا قشرة اللغة، ولذا لا نتوقع منها أن تقدم لنا من القراءة إلا ظاهرها، والذي ليس له حظ في المعاني إلا ما تقدمه المعجمات وشواهد اللغة فليس له في الحقائق إلا قشورها وهو بعيد حينئذ عن جواهرها ومقاصدها.
كان أول كلام وُجِّه للرسول عليه الصلاة والسلام قوله تعالى «اقرأ»، ولما ردّ الرسول الكريم بقوله: «ما أنا بقارئ» قاصداً بهذا نفي معرفة قراءة القلم كرّر الملك قوله «اقرأ» مشيرا إلى معنى جديد للقراءة توحي إليه الآيات اللاحقة التي تتحدث عن قدرة الخالق سبحانه الذي خلق الإنسان من علق وعلمه ما لم يعلم، ومع ذلك يطغى الإنسان فيستغني بوسائله وأدواته التي منها القلم وهو من تعليم الله أيضا عمّن خلقه وعلمه.
اقرأ يا محمد حتى لو لم تكن كاتبا بقلم ولا قارئا من كتاب، فربك الأكرم الذي خلقك من عَلَق يعلمّك أن القراءة أوسع من ضِيق القلم والكتاب، وأوسع من ضيق كل وسيلة مادية محدودة بحدود الزمان والمكان، يظنها خَدَمُ الأشكال والتقاليد هي الوسيلة الوحيدة للمعرفة، بل يظنها عُبّاد التقاليد الراسخون في الشكليات هي المعرفة ذاتها.
اقرأ باسم ربك كلَّ شيء تتناوله حواسك ويصل إليه عقلك الواعي وحدسك الخفي؛ اقرأ النص واقرأ الناس واقرأ الحيوان والنبات واقرأ ظواهر الطبيعة والفلك، اقرأ كل شيء وجدتَه مضموما بعضُه إلى بعض، واقرأ ما بدا لك متفرقا بأن تضمه أنت بعضَه إلى بعض وتحاول تفسيره، ثم إذا توصلتَ من قراءتك لكل ما حولك إلى نتيجة القراءة وهي المعرفة فاعمل بهذه المعرفة وحوّلها إلى سلوك هو ثمرة القراءة؛ فإن النبات الذي لا ثمرة له من طُعم أو ظل أو عُود يُصنع به ما يُرتفق به نباتٌ لا خير فيه، ولا يسقيه إلا مجنون، وكذا القراءة التي لا ثمرة لها في تحسين التفكير وتهذيب العمل، ولذا نجد القرآن في موضع آخر يوجه الرسول وأمته إلى هذه الحقيقة المقاصدية للقراءة حينما يقول «إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرآناه فاتّبعْ قرآنه» قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به.
هذا هو جوهر القراءة؛ إنها تَتَبُّعٌ وتأملٌ في علامات الظواهر الإنسانية والطبيعية والكونية سواء خلال كتاب مرقوم أم كتاب غير مرقوم، وهذا الأخير هو كتاب الكون المنشور الذي عرض ويعرض نفسه لكل قارئ أزلاً وأبدًا ليَرْقُمه حسب نظره واجتهاده، فكيف تَحرَّف هذا المعنى في العقل العربي فانتقلت القراءة من وسيلة لتحقيق قيمة إلى قيمة في ذاتها؟ أومن منهجِ ترقيةٍ للعقل والسلوك إلى وسيلة شكلية لتكديس الذاكرة بالأفكار والمعلومات؟ حتى أطبق كتّاب العرب المعاصرون على الاحتجاج بقول القرآن «اقرأ» على فهمهم الشكلي الضيّق للقراءة؛ وهو قراءة الكتب والاطلاع على أكبر قدر ممكن من المعلومات؟ إن الآية لم تُرِد هذا المعنى وإلا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام أول مخالف لها وحاشاه من ذلك.
إن في تراثنا احتفاء كبيرا بالمفهوم الشكلي للقراءة الذي يُعظّم كمّ المقروء على حساب نوعه وكيفه؛ بل احتفاء بالمفهوم الشكلي لجانب واحد من جوانب الثقافة وهو جانب اللغة؛ فاللغة صوت ومعنى، وهؤلاء انجذبت قراءتهم إلى جانب الصوت واللفظ أكثر من انجذابها إلى المعنى والمضمون والمقصود، على تفاوت في هذا الانجذاب، ومن ثم تتفاوت الشكلية كمًّا وكيفًا، وأصبح المعيار لدى أصحاب هذه العقلية هو: قُلْ لي كم كتابا قرأتَ أقلْ لك من أنت؟ وأصبح الوارثون لهذا التفكير الشكلي من كُتّابنا المعاصرين ينعون على العرب تخلفهم المعرفي بقولهم: «أمّة اقرأ لا تقرأ»، معبرين بذلك عن فهمهم الشكلي الضيق للقراءة لا المفهوم القرآنيّ لها؛ ذلك المفهوم المقاصدي الواسع الثري الذي يفتح للإنسان جميع أبواب المعرفة المدونة بالقلم والمدونة بالعَلَم «بالقلم: الكتب، وبالعَلَم ــ أي العلامة ــ: جميع ظواهر الطبيعة».
إن الشكلية في العقل العربي المعاصر وما يتصل بها من مصطلحات أخرى كالظاهرية والسطحية والتقليدية هي نتاج الخبرات القديمة لطائفة عريضة من الأسلاف الشكليين لم يدركوا من القراءة إلا شكلها؛ ففُتنوا بجانب واحد من القراءة «قراءة القَلَم»، وطائفةٍ أخرى عرفتْ أن القراءة وجه واحد من وجهَيْ الحقيقة التي لها وجهان متلازمان: المعرفة والعمل، لكنهم قعدت بهم نفوسهم عن العمل فظنوا أنهم يعوضون هذا العرَج الثقافي بالتكثيف من المعرفة المجردة، صحيح أن السلف الأوائل أدركوا المعنى الجوهري للقراءة المقاصدية الشاملة؛ قراءة القلم والعَلَم، كما أدركوا أن الاقتصار على قراءة القلم هو باب التقليد والجمود، بل هو في أقصى المدى علامةُ التطرف، ولذلك سَمّوا الخوارج بالقُرّاء «كما جاء في حديث أبي بَرْزة الأسلمي عند البخاري 7112» وهي تسمية ذمٍّ لهم قصدوا بها أنهم سفهاء الأحلام لم يدركوا من القرآن إلا ظاهره ولم يعلموا تأويله «وهو ما يَؤول ظاهرُه إليه من بواطن معانيه ومقاصده»، في حين احتفظوا بلقبَيْ «الفقيه» و»العالم» لمن أدرك معانيه ومقاصده؛ أقول: صحيح أن هذا الوعي قد وُجِد لدى السلف الأوائل ولكنه تاه لدى المتأخرين في ضباب الشكلية الطاغي.
إن واجبنا اليوم لكي نعي معنى القراءة أن ندرك جوهر عللنا الثقافية الذي أصابنا بالعَرَج بل الشلل في كثير من ظواهر تفكيرنا وسلوكنا ومناشطنا الثقافية، وأن نسعى إلى إقامة الميزان في تفكيرنا وسلكونا؛ الميزان الذي أنزله الله على الإنسان ليَعلَم أنه لا صلاح في أيّ فكر أو عمل يقوم به إلا إذا كان مقبولا على كفة ميزان العقل والفطرة، وإلا فليس إلا الخللُ والمرضُ والفساد.