مبادرات عراقية غير مجدية

مبادرات"السلام!"التي يطرحها القادة العراقيون لم تزد من الأوضاع إلا سوءا، يوميا يطلع علينا أحدهم بمبادرة جديدة، وخطة محكمة "ما تخرش الميه"، على حد قول إخواننا المصريين، لجمع الكلمة وحل الأزمات والمشاكل العقيمة التي لا تعد ولا تحصى، وعلى الرغم من فشل تلك المبادرات وعدم صمودها أمام العناد العراقي المعروف للقاصي والداني بحبه الشديد في تدمير بلده، واصلوا طرح مبادراتهم، مبادرة تلو مبادرة، حتى حولوا العراق إلى بلد المبادرات "الفاشلة".
عندما تأزمت الأوضاع السياسية في البلاد بسبب نتائج الانتخابات عام 2010، قام رئيس إقليم كردستان "مسعود بارزاني" بطرح أول مبادرة، لإنهاء الأزمة وتمخضت عنها اتفاقية "أربيل" وبموجبها تم التجديد لـ"نوري المالكي"لولاية ثانية، ولكن بشروط، لم يلتزم بها "المالكي" إلى الآن.
وسار زعماء آخرون على خطى "بارزاني" في طرح المبادرات، ورأوا فيها تجربة سياسية جديدة تضاف إلى تاريخهم السياسي، إلى أن أصبح توضيب المبادرات "مودة" منتشرة بين القادة العراقيين.
والعجيب أن أي مبادرة من هذه المبادرات لم تنجح إلى الآن، كل المبادرات فشلت وتهاوت بسبب عناد "المالكي" وقادة ائتلاف التحالف الوطني الحاكم وإصرارهم على فرض أجندتهم الطائفية بأي ثمن.
ومن كثرة إصدارهم لهذه المبادرات "الخايبة" وعدم جدواها في حل المشاكل العراقية، وعجزها عن تقريب وجهات النظر المختلفة، فكروا في تصديرها إلى الخارج، كأي سلعة أخرى كالتمر والنفط مثلا، علها تنفع في علاج مشاكل الآخرين ما دامت لا تعالج مشاكل العراقيين ولا تؤثر فيهم، وفعلا فقد بدؤوا بشحن أول وجبة من هذه المبادرات باتجاه أمريكا وإيران، من صنع وإنتاج رئيس الوزراء "المالكي" لإزالة الخلافات القائمة بينهما، باعتبار أن العراق صديق صدوق للطرفين، طبعا رحبت إيران فورا بالمبادرة، بينما قابلتها أمريكا باستخفاف ولم تلتفت إليها.
ولم يدخل اليأس في قلب "المالكي"، فكرر المحاولة، فقدم للمجتمع الدولي مبادرة "سلام!" أخرى من ثماني نقاط لحقن الدماء في سوريا، وإشاعة الأمن والاستقرار في ربوعها، على الرغم من قبول النظام السوري بالمبادرة، لأنها تصب في مصلحته وتخدم سياسته وتساعده على مواصلة ظلمه لشعبه، وهي نسخة مكررة طبق الأصل من الحلول والمبادرات التي طرحتها روسيا وإيران من قبل حول سوريا، لإنقاذ هذا النظام المجرم من السقوط، ولكن عندما عرضت المبادرة على المعارضة السورية، رفضتها رفضا قاطعا، واعتبرتها خطوة عدوانية ضدها.
والملاحظ أن كل المبادرات التي قدمها "المالكي" كانت موجهة إلى الخارج ولم يقدم مبادرة واحدة إلى داخل العراق الملتهب، والسبب أن نظامه هو من يثير تلك المشاكل والأزمات داخل العراق، فليس من المعقول أن يبادر هو إلى حلها، أو أن يدعو الآخرين إلى القيام بذلك، فقد اعتاد منذ توليه الحكم على وضع العراقيل في طريق أي مشروع وطني ينهي به حالة التشرذم والخلاف القائم بين العراقيين، لأنه يريد عراقا مشتعلا ومأزوما ومشغولا بنفسه دائما، لكي ينشغل خصومه بالأمور الثانوية ويظل هو مستمرا في الحكم.
لذلك كان من الطبيعي أن يعيق نجاح أي مبادرة؛ من مبادرة رئيس الإقليم "مسعود بارزاني" ورئيس الجمهورية "جلال طالباني" مرورا بزعيم التيار الصدري "مقتدى الصدر" ورئيس البرلمان "أسامة النجيفي" ورئيس المؤتمر الوطني "أحمد الجلبي" و انتهاء بـ"خضيرالخزاعي" نائب رئيس الجمهورية في "وثيقة الشرف" التي طرحها قبل مدة ووقعها كل السياسيين، ولكن دون جدوى، "الوثيقة" سقطت كما هو المتوقع، ولم يلتزم بها أحد حتى الآن.
منذ أكثر من عام والمعتصمون من أهل مدينة "الأنبار" يطالبون بأبسط حقوقهم المشروعة المتمثلة بإنشاء إقليم في منطقتهم طبقا لمواد الدستور وعدم زج القضاء في السياسة وإطلاق سراح الأبرياء، وغيرها من المطالب البسيطة التي لم يكتف نظام المالكي برفضها فحسب، بل شن عليهم حملة عسكرية واسعة بهدف إرغامهم على السمع والطاعة ونبذ "الإرهاب!"، ولسان حاله يقول: لا حقوق لكم عندي إلا القتل.
وكان من الممكن أن يوافق على مبادرة زعيم المجلس الأعلى الإسلامي"عمار الحكيم" التي طرحها في (8يونيو 2014) للخروج من أزمة المعتصمين، كونها تطرح حلولا معقولة ومنصفة للطرفين، ولكن أبى "المالكي"وائتلافه إلا أن يرفضوا وحجتهم في ذلك "إنها جاءت في غير وقتها" و"ينبغي أن تلي النصر العسكري التام" بحسب القيادي في دولة القانون "علي شلاه".
والحال أن أي خطوة خيرة من قبل القادة العراقيين لإطفاء نار الفتنة في العراق قابلها رفض قاطع من المالكي، فلا هو قدم مبادرة لحلحلة الخلافات القائمة ولا سمح للآخرين بفعل ذلك.. فعلى كثرة انشغاله بالمشاكل الخارجية وطرح مبادرات سلام حولها، لم يكلف نفسه، ولو لمرة واحدة، بإخراج مبادرة من جعبته لينهي بها مشكلة المعتصمين في "الأنبار"، بدل لجوئه إلى الوسائل العسكرية.
وكذلك فعل مع الأكراد، دخل معهم في صراع مستمر بسبب مطالبتهم بحقوقهم الدستورية، فلم يحاول قط أن يعالج أزمة من أزماته الكثيرة معهم، كل يوم مشكلة جديدة معهم؛ مشكلة النفط والغاز ومشكلة مدينة كركوك والأراضي المتنازع عليها والمادة الدستورية (140) التي تعالجها، ومشاكل لا حصر لها.
مشكلة المالكي، أنه ينظر إلى كل دعوة للإصلاح والتغيير من قبل الشعوب العراقية على أنها مؤامرة تستهدفه وتدبر من خارج العراق وبالتحديد في دول بعينها "السعودية وقطر وتركيا"، ويظل يعلق مشكلاته على شماعة المؤامرة الخارجية، بدل أن يبحث عن الأسباب الحقيقية في تدهور البلاد.