أدنبرة.. أثينا الشمال

ذات مرة، كنت أجلس في مقهى بوسط مدينة أدنبرة، وكنت أجلس ببؤس في ركن منزو، أمام تلفاز صغير، مشاهدا مباراة المنتخب المصري أمام نظيره الإنجليزي. هناك شاشتا عرض ضخمتان في المقهى بالطبع، ولكن كلتيها كانتا محجوزتين لمباراة رجبي ما.
حدث أن أحرز المصريون هدفًا، فبانت علي الفرحة التي لفتت نظر سيدة أسكتلندية تجلس بالقرب مني. سألتني عن النتيجة فقلت: واحد لصفر لصالح المصريين. قالت لي بفرحة ما “مبروك”. وعندما لاحظت اندهاشي قالت “أنا أسكتلندية، ومنذ شهور جاء فريق لدولة ما اسمها (زاخبستان) - أظنها قصدت كازاخستان - وكنا نشجع زنخبس.. آه.. أنت تعلم!”.
هذا حوار لا يلخص كل شيء كما بين الإنجليز والأسكتلنديين، ولكنه يحمل شحنة معلوماتية لا بأس بها:
تقول السيدة الأسكتلندية: لقد فقدت أسكتلندا استقلالها على يد الإنجليز عندما تم توحيد التاجين في العام ١٦٠٣ ثم توحيد البرلمانين في العام ١٧٠٧. يبدو مفاجئا لي كإحدى مواطنات المستعمرات السابقة، والتي يؤكدها لون بشرتي وعيناي وشعري، أن أجد “حمر الوجوه” - وهي صفة إنجليزية بالطبع - يتكلمون عن الإنجليز كمواطني مستعمرة حالية. الأمر حقيقي بشكل ما حتى مع إعادة إنشاء البرلمان الأسكتلندي في العام ١٩٩٩ في نفس المدينة البديعة. ذهبت لرؤيته، ورغم الجهد الملحوظ من المهندس ليخرج بشيء مختلف وممثل لأسكتلندا، فقد بدا لي المبنى المزين بعروق الخشب غريبا جدا.
قصص من العذاب والمعاناة والفقر يرويها لك الأسكتلنديون بسب الإنجليز، ولكنها سوف تتوقف عند أدنبره. ادنبرة عاصمة أسكتلندا وثاني مدنها في التعداد السكاني، والسابعة على مستوى المملكة المتحدة بتعداد يصل لنصف مليون مواطن، وهو رقم يثير ابتسامات سعيدة لدى من قدم من مدينة العشرين مليون نسمة. على العموم، ورغم أحياء أدنبرة الفقيرة التي كتب عنها الروائي الأسكتلندي الشهير إيرفين ولش روايته الشهيرة “تراينسبوتنج” والتي تمت تنمية بعضها حقا، فأدنبرة لن تكون الواجهة الأمثل لرواية الشقاء الأسكتلندي: هذه المدينة الباهرة، التي ملكت اقتصادا بدأ بشركات التأمين والبنوك ولم يلبث أن توسع، هي كما يسمونها أثينا الشمال، بجامعتها الحكومية التي تحتل مركزا وسط أهم ٢٠ جامعة في العالم، إضافة لثلاث جامعات أخرى، ومهرجانات أربعة للفنون في الصيف منذ العام ١٩٤٧، نعرف منها جيدا مهرجان أدنبرة للمسرح ومهرجان أدنبرة للكتاب. مدينة يزورها أكثر من مليون سائح في كل عام جديد، أدنبرة بلكنتها الواضحة التي يقول عنها باقي الأسكتلنديين بما يشبه الازدراء “هي الأسكتلندية الإنجليزية”.
الجانب المشرق لعاصمة تحترق شوقا للاستقلال عن الإنجليز، لا يجب أن ينسيك ما تعرض له إيرفين ولش في تراينسبوتنج حتي ولو تم تطوير بعض الأحياء التي كتب عنها، وعن المخدرات والفقر والبطالة. في النسخة الفيلمية من الرواية، نجد أحد الأبطال وهو يجري في البرنسس ستريت، حيث يمكنك أن تتمتع بتمشية في شارع بديع وجميل، ولكن غير بعيد عن ذلك، يمكنك أن تجد مكانا مخصصا لحقن المدمنين بالميثادين.
“أيعطونهم المخدرات؟” هكذا سألت رفيقتي الأسكتلندية في عجب، وأنا أفكر في نماذج بعينها أعرفها، ستعتبر أدنبرة جنة الله على الأرض. حسنًا، قالت لي الصديقة إنها ليست أدنبرة وحدها، ولكن كل المملكة المتحدة منذ أيام تاتشر - منتزعة الحليب، “سناتشر” كما دللوها يوما - لقد اكتشف البريطانيون أن استخدام الحقن الملوثة ينشر أمراضا فتاكة لا سيما الإيدز، وفي النهاية ستكون الدولة ملزمة بعلاج كل هؤلاء، إذن لِمَ لا تعطي المدمنين جرعات بحقن سليمة، وبمخدر أقل وطأة هو الميثادون، حتى يمكن للمدمنين الإقلاع التدريجي عنه؟ كانت فكرة ما، هكذا قلت لنفسي.
كنت أمشي في شارع اللوريستون بارك، حيث كنت أسكن في تلك الفترة، وخطر في بالي بينما أنا أتأمل مدخل مدرسة جورج هاريوت العريقة أنه ربما كانت هذه المدرسة هي الإلهام الحقيقي لشكل المدرسة في روايات هاري بوتر الشهيرة: لقد عاشت جيه كيه رولنج مبدعة الرواية، التي تحولت لسلسلة، في أدنبرة، وكانت تجلس في كافيه صغير يدعى "بيت الفيل"، لتشرب ببطء شديد جدا من فنجان الكابوتشينو ليتاح لها المزيد من الوقت لكتابة الرواية دون طلب مشروب آخر. الآن يمكنك أن تذهب لبيت الفيل الذي يفخر فخرا شديدا بأن هاري بوتر قد كتبت لديه، كما بدأ في تنظيم ندوات خاصة للكتاب وحفلات توقيع وخلافه من أنشطة ثقافية.
المهم وبينما كنت أفكر في ذلك، شاردا تماما ناظرا للبوابة، فجأة! وجدت نفسي راقدا على ظهري، بعدما انزلقت كأفلام الكارتون، لم أتمالك نفسي من الضحك، وأنا أرى شابة أسكتلندية جميلة تنطلق في ضحك مرح، هي الأخرى!