مشاهدات سلبية في حياة المبتعثين

كنت سعيدا في أول يوم دراسي في معهد اللغة وهذا اليوم يتم اختبار كل طالب جديد ليتم تحديد مستواه في اللغة، فالمعهد يتكون من ١٢ مستوى، يتم دراسة كل مستوى في كل شهر أي أن الطالب إذا بدأ من المستوى الأول فسوف يتخرج من هذا المعهد بعد سنة كاملة، ولكن المتوقع أن ليس كل طالب يدخل من المستوى الأول! إذن من الطبيعي أن تستغرق فترة اللغة عدة شهور.
المفاجأة أن غالبية الطلبة السعوديين وهم النسبة الأكثر في المعهد تم وضعهم في أول أربع مستويات وهم قد أفنوا سنوات كثيرة في دراسة اللغة الإنجليزية في بلدهم! بعض المبتعثين تم وضعهم في مستويات متوسطة وقلة نادرة تم وضعهم في مستويات متقدمة وأصبح ينظر إليهم كأنهم طلاب عباقرة ومحسودين من قبل بعض السعوديين، الطلاب الآسيويون واللاتينيون غالبا في المستويات المتوسطة، بعد تحديد المستويات ووضعي في مستوى متقدم كنت سعيدا لبداية حلم الدراسة في الخارج فقررت التعرف على زملاء الدراسة.
بدأت الدراسة طبيعية ومع مرور الأيام وجدت أمورا كثيرة محزنة في بعض الأحيان ومشينة نوعا ما أحيانا! من هذه الأمور الغش الدراسي فهو موجود بكثرة لدرجة السذاجة، وما أقصده بالسذاجة هو مثلا قيام أحد الطلبة السعوديين بنسخ مقالة من الانترنت وكتابتها ضمن واجب مطلوب رغم أنه لا يستطيع التحدث بشكل جيد! قالت له المعلمة: «لست أنت الكاتب، فمستواك لا يدل على ذلك» فلم يقر الطالب مؤكدا أنه الكاتب، فأحضرت المعلمة النص الأصلي من الانترنت ووضعته أمامه، ومع ذلك أصر أنه الكاتب وقام بتمزيق الورقة مهددا بالشكوى للإدارة العليا!
من الأمور المحزنة أيضا هو أن أكثر ما يتحدث به السعوديون في نقل الثقافة السعودية هو الكبسة، فلا يوجد لدينا غير ذلك عند مفهوم البعض ورغم العدد الكبير من الطلبة السعوديين إلا أن صورة السعودي غالبا سلبية ولم يقم البعض بمحاولة لتعزيز الصورة الإيجابية حتى أصبح ينظر البعض لنا كأننا بدائيون. قالت إحدى المعلمات للطلاب ذات يوم: «أريد أن تكتبوا موضوعا تشرحون فيه عمل شيء ما» وتقصد جهازا أو آلة ما، ثم قالت معقبة: «لا أريد أن يكتب أحد عن طريقة عمل الكبسة!»
الكتابة ضعيفة جدا لدينا مقارنة بالطلاب الآسيويين، ذكرت لي معلمة أنها تستطيع تحديد جنسية الطالب من خلال الكتابة، وأضعف الطلاب كتابة هم الطلاب السعوديون ثم يليهم الطلاب الخليجيون الآخرون، وهذا يعود لعدم معرفتنا بأساليب الكتابة منذ صغرنا فمادة التعبير مادة عقيمة عندنا ليست مبنية على أسس.
ومن الطريف أنه عندما كانت الكتابة حرة لأي موضوع يختاره الطالب كان الطلاب يختارون موضوع «التدخين» رغم أن غالبهم من المدخنين ويختارون هذا الموضوع لأنه سهل الحفظ، فهو لا يكتب إنما يستحضر ما حفظه فيكتب عن ضرر التدخين وخطورة التدخين في الأماكن العامة ومن هذا القبيل، فقام المعهد بتغيير طريقة الاختبار وجلب مواضيع مختارة مسبقا من قبل المعلمين.
ليست المشكلة في الضعف اللغوي ولكن في الإهمال في الدراسة! فيقضي عدد كبير من الشباب المبتعث في لعب «بلايستيشن» أو القهوة أو في الزيارات ثم بعد ذلك يشتكي من ضعف اللغة. قال أحد المعلمين «أنت لن تفقد لغتك الأم! عليك بالحديث مع الجميع في كل مكان باللغة الإنجليزية» ولكن لا حياة لمن تنادي، فالحديث في داخل المعهد وفي خارجه باللغة العربية بل حتى الأنشطة العائلية هي نفسها وإن اختلفت الدولتان، ويجتمعون مع بعضهم بصفة يومية روتينية.
يمارس الطالب السعودي سياسة التفاوض على الدرجات هناك مع كل معلم، ويعطي الأعذار في حالة الإخفاق بل إنه يشك في مصداقية كل معلم ونظرية المؤامرة موجودة في المعهد، ففي حالة الرسوب أو حصول الطالب على الدرجة الضعيفة يقول «هو لا يحبني أو هو لا يحب المسلمين». وعملية تبربر الإخفاق بكره المسلمين موجودة أيضا لدى الفتيات! كانت هناك طالبة سعودية قد رسبت في أحد المستويات وذهبت للمدير تشتكي، ومن العجيب في الأمر أنها لم تستطع الشكوى بنفسها بسبب اللغة! فأحضرت طالبتين لكي تقوما بمساعدتها، ثم قامت بالبكاء عنده وطلبت من الفتاتين قائلة: «أخبراه أن لدي أطفالا وأني أم»، وما تريده هو استثارة عطفه بالبكاء وإحضار القصص المحزنة، ولم تخرج من مكتبه وظلت تبكي فترة طويلة حتى وافق في الأخير على طلبها! والبكاء ليس صفة غريبة فقد شاهدت قصصا محزنة كثيرة وكلها متعلقة بطلب نجاح أو إعادة اختبار ونحو ذلك.
الخلافات بين الطلبة السعوديين كثيرة وقد صادفت ثلاث مشاجرات وصلت لحد تدخل الإدارة وتم تهدئتها كيلا تتفاقم أمنيا وتضر بسمعة المعهد، إحدى المشاجرات كانت بسبب أن طالبا شتم المعلم بلفظة عربية نابية، وكانت هناك فتيات سعوديات في الفصل فقام أحدهم بضربه لعدم مراعاته لوجود بنات بلده ومن ضمنهم زوجته، وما هو أدهى من ذلك هو حضور بعض الطلبة وهم متعاطون للحشيش، ويأتون وقد ارتدوا النظارات الشمسية لكي لا تُرى أعينهم الحمراء، وهم قلة ولكنهم مع شديد الأسف مجودون.
ليس كل ما شاهدته سلبيا ولكنه الأغلب، فهناك أمور إيجابية ولكن مع أسفي قليلة جدا، فمنها أنه تفوقت طالبة سعودية وحصلت على درجة كاملة في الاختبار النهائي وتم تكريمها من قبل الإدارة وتخرجت في وقت قياسي في ثلاثة أشهر فقط، ولكن أغلب الطلاب يستغرق وقتا طويلا في التخرج.
والتخرج من المعهد رغم أنه لا يعني شيئا مهما في مسيرة الطالب التعليمية إلا أنه وقت جميل لبعض الطلبة ولحظة فرح لا توصف، وكنت أشاهد بعض الطلبة وهم يرتدون أزهى الثياب ويلتقطون الصور لكي يرسلوها لعوائلهم رغم أنهم قد قاموا بالغش والتحايل في الاختبار النهائي ولا يهمهم ذلك بقدر ما يهمهم التخرج! وقد تجادلت مع البعض وذكرت لهم أنهم لم يتخرجوا إلا بالغش، ولولا الغش لظلوا في المعهد حتى يتم فصلهم فكيف تأتيك السعادة الغامرة هذه وتقوم بتخليد هذه المناسبة بالصور؟ فالبعض يبتسم دون رد والآخرون يقولون «هذه هي الحياة»! وكنت أتعجب من فعلهم وأشعر بالأسى لذلك الأب وتلك الأم التي ترى صور ابنها أو ابنتها وتدمع عيناها فرحا!