كن أنت!
الجمعة، ١٤ نوفمبر ٢٠١٤
الإنسان، من المنظور الاجتماعي، إما تابع أو متبوع. وبعصر العولمة الذي نعيشه والذي نتج عن انتشار وسائل الاتصالات والمواصلات، ازدادت المجالات التي تجعل الإنسان تابعا، وتراجعت الفرص التي تجعله متبوعا. فاقتصاديا، عندما يبحث الفرد عن الاستهلاك يكون تابعا، وعندما يتقصى فرص التجارة المربحة و»ينجح» يصبح متبوعا. في التعليم، عندما يطلب العلم، يكون تابعا، وعندما يبتكر ويجدد المعرفة وينجح في حصد اعتراف الناس يصبح متبوعا، وهكذا ببقية المجالات. ويبدو أن فرص التبعية أكثر متناولا للفرد، لأنها ضمن إرادته واختياره، لكن إن أراد الإنسان أن يكون متبوعا، فذلك أصعب، لأنه اختيار الناس.
التبعية والمتبوعية كلمتان تتحدثان عن شيء واحد، وهو الاختيار – في تحديد الطريقة والتفضيلات. فإما أن يضع الشخص الطريقة ويسن التفضيلات لنفسه وللآخرين (فيكون متبوعا)، أو أن يسير على طريقة أو تفضيلات غيره (فيكون تابعا).
في الغالب، يصعب على الإنسان أن يمتلك الاختيار في الفرص التي تأتيه (بعكس الفرص التي يصنعها بنفسه). مثلا، عندما يحصل الفرد على منحة تعليمية، فهو أمام هذه الفرصة لا يملك سوى بذل أقصى جهده لتحصيل الدرجات المتطلبة للالتحاق بالتخصص الذي يحلم به، ولو كانت المناهج متقادمة أو كانت طريقة التقييم غير منصفة، أو كان المعلمون دون المستوى، هذه الأمور تخرج تماما عن اختياره وسيطرته. والمستهلك كتابع، لا يملك سوى الاختيار من بين مجموعة المواصفات والجودة التي يختارها له المصنع (المتبوع أو المتحكم) وفقا للسعر الذي يتطلبه. وينطبق هذا أيضا على العامل ورب العمل، فلن يملك الأول سوى قبول شروط من أوجد الفرصة الوظيفية له، ولو كانت لا تتفق مع طموحاته.
لهذا، لا تنظر للفرص التي تأتيك كغايات، فتسقط في فخ التبعية. ولكن كن أنت، كما تحب، بتعقيد خياراتك في قبول تبعية الآخرين. فإن كنت مستهلكا، كن مساوما عنيفا على الأسعار والجودة والمواصفات، حتى تضطر التجار لاحترام تفضيلاتك وتحسين أداء منتجاتهم وخدماتهم. وإن كنت ذا طموح، قم بتخطيط أهدافك المستقبلية وسبل تحقيقها ولا تنتظر أن تحددها لك المناهج أو رب العمل. فتلك الفرص تأتيك بتفضيلات من أوجدها، والتي قد لا تكون مثلى، فإن كانت سبيلا لتحقيق بعض أهدافك، فاقبلها كممرات للعبور فقط ولا تقبلها كغايات. ارتق بأهدافك ورتب أولوياتك من أجلها باستقلالية.
قبل أن أختم، لا أقصد من كلامي أن تبعية الآخرين شيء سيء، لأن العكس صحيح. فالإنسان في حاجة للاختلاط بالآخرين باستمرار ليكتسب من معارفهم وخبراتهم، فيطور أهدافه تبعا لمستجداتهم فلا تتقادم. وفي بعض الأحيان، قد تتطلب الاستفادة من الآخرين مرونة في تقبل شروطهم ولو كانت ملزمة بالصمت، كشرط الخضر على موسى عليه السلام عندما رغب في أن يتبعه. بالمناسبة، لم تكن تبعية موسى عليه السلام للخضر غاية في حد ذاتها، بل كانت وسيلة أراد منها تحقيق هدف أسمى، فكان مرنا مع شرطه، ولكن مدركا ومستقلا بأولوياته.