ملاحقة الفساد تبدأ بكبار المسؤولين!!
الجمعة، ١٤ نوفمبر ٢٠١٤
عندما أنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» كانت أحلام كثيرين من البسطاء، أن يأتي يوم ويكون الحديث عن الفساد شيئاً من الماضي، لأن الأمر الملكي الذي أُسست «نزاهة» بموجبه كان واضحاً وصريحاً، ونص على عدم استثناء كائن من كان، كما أنه منح الهيئة صلاحيات واسعة تمكنها من القضاء على الفساد، لكن كثيراً من الجهات الحكومية ونزاهة أنموذجاً، تأبى أن تستفيد من الصلاحيات الممنوحة لها، وتحرج مصدر القرار إن لم تخذله.
والقضاء على الفساد، وردع الفاسدين لا يمكن أن يتحققا ما لم تبدأ نزاهة في ملاحقة كبار المسؤولين المتورطين في قضايا فساد مالي وإداري، وإقامة محاكمات علنية لهم، والتشهير بهم، لأن شيوع الفساد في مستوى القيادات والإدارات العليا أكثر خطراً على التنمية والمجتمع، ومدعاة لانتشاره واستشرائه في الإدارات الدنيا والتنفيذية، لا سيما أن كثيراً من قضايا الفساد المالي والإداري التي يتم اكتشافها يكون صغار الموظفين كبش الفداء فيها، وتبقى الرؤوس الكبيرة في مأمن من العقوبات.
والتلويح بالعقوبات والمحاكمات والمواعظ الدينية دون تطبيق فعلي لمحاكمة ومقاضاة هؤلاء الفاسدين لن تقضي على الفساد، وسيكشف ضعف الجهات الرقابية والتحقيقية، ويخلق ما يعرف اقتصادياً بـ «نقمة الموارد»، وهي حالة مرضية اقتصادية تعني تدني معدلات النمو الاقتصادي، وتفاقم المشكلات الاقتصادية في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية، مقارنة ببلدان فقيرة تعاني من نقصد حاد في هذه الموارد.
والخوف كله أن يقود انتشار الفساد، والانتقائية في مكافحته مع وفرة الموارد الطبيعية والمالية التي تمر بها المملكة في الوقت الراهن إلى ظهور «نقمة الموارد»، التي لا يمكن التخلص منها أو تجاوزها دون آثار سلبية يطال تأثيرها كل نواحي الحياة سواء الاقتصادية أو الاجتماعية.
وبالنظر إلى الإجراءات المعمول بها لمكافحة الفساد المالي والإداري، نجد أنها تتسم بالضعف والتداخل، ولا تتناسب مع الأهداف التي أُنشئت من أجلها الأجهزة الرقابية، وتتمثل في:
أولاً: تأخر البت في قضايا الفساد التي تمتد إجراءات التحقيق والمقاضاة فيها إلى 5 و6 سنوات دون إنهائها، بعضها يعود إلي إجراءات روتينية، وبعضها نتيجة استخدام كبار المسؤولين لنفوذهم، والواسطة، والمحسوبية لإطالة أمد القضايا، ومحاولة تضليل العدالة، بما يتناقض مع الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي نصت على «سرعة البت فيها، والعمل بمبدأ التعويض لمن تتضرر حقوقهم ومصالحهم من جراء الفساد بعد ثبوت ذلك بحكم قضائي نهائي من الجهة المختصة»، والتأخر في البت في هذه القضايا ومعالجتها يقلل من فعالية هذه الأحكام وقيمتها.
ثانياً: اكتفاء الجهات الرقابية -» نزاهة» أنموذجاً - بإبداء «الأمل» من الجهات الحكومية لدى مباشرتها لقضايا تنطوي على شبهة فساد، في حين نظام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منحها بحكم الاختصاص صلاحيات واسعة تجعلها الطرف الأقوى دون الحاجة إلى خطابات الأمل والرجاء التي أضعفت دور الهيئة كثيراً، وهو ما قاد في النهاية إلى عدم تجاوب مسؤولي بعض الجهات الحكومية مع الاستفسارات التي تطلبها.
ثالثاً: ضعف محاسبة كبار المسؤولين الذين يتورطون في قضايا الفساد المالي والإداري حالياً، والتشهير بعد صدور الأحكام القضائية بحقهم، كما أن هذا الضعف في المحاسبة قد يوثر في المستقبل على تطبيق إقرار الذمة المالية الذي تتزعم الهيئة تطبيقه، لاحتمال تهرب المسؤولين من تقديم إقرارات الذمة المالية، دون أن تملك «نزاهة» القوة التي تمكنها من إلزامهم بذلك.
رابعاً: عدم تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» قاعدة بيانات للأشخاص المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري لتتم الاستعانة بها من قبل الجهات الحكومية عند تعيين من يتولون مناصب قيادية، لا سيما إذا ما علمنا أن هناك لجنة في هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء تدرس وضع ضوابط لمن يتولى المنصب القيادي، ومن بينها ألا يكون قد صدر عليه حكم يخل بالأمانة أو شرف الوظيفة، أو سوابق جنائية، ويتطلب ذلك وجود قاعدة بيانات لدى نزاهة، ومرتبطة مع باقي الجهات الحكومية ذات العلاقة.
خامساً: تداخل عمل «نزاهة» مع الجهات الرقابية الأخرى (هيئة الرقابة والتحقيق، ديوان المراقبة العامة)، رغم نفي مسؤولي نزاهة ذلك، لكن الواقع يؤكد أن المهام التي تقوم بها «نزاهة» تتداخل مع الأعمال والمهام التي تقوم بها هيئة الرقابة والتحقيق بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتعدد الجهات الرقابية، وتداخل اختصاصاتها، يقللان فاعلية الرقابة في تحقيق أهدافها.
وبالتالي فإن دمج الجهات الرقابية في جهاز رقابي ومحاسبي مركزي واحد، بصلاحيات واسعة، والبدء بمحاسبة كبار المسؤولين قبل صغار الموظفين هو الحل الأنسب للقضاء على الفساد، وتجاوز ضعف أداء الأجهزة الرقابية الحالية، بما يضمن تعزيز هيبة الدولة وسلطتها، وتأكيد عزمها على مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين.