ما تبقّى من (الحكواتي)
الخميس، ١٣ نوفمبر ٢٠١٤
ليس غريبًا أن يكون للشرق تأثيره البالغ في الحكي عالميًا، وأن يشيع سحره في ثنايا السرد الأدبي منذ قرون، فقد كان له فضل إنتاج جواهر حكائيّة قيّمة، نلحظ فيها تدرجها من صيغ الشفاهيّ إلى المكتوب مثل كتاب «ألف ليلة وليلة»، ومنها ما دُون بصيغته السرديّة الاستثنائيّة مثل كتاب «كليلة ودمنة»، وأعقب ذلك صيغة (الحكواتي) الشعبيّ الذي كان يتنقل بين المقاهي الشعبية راويّا ما لديه، وإذا كنا فقدنا (حكواتي) القرون الماضية الذي كان يتنقل في العواصم العربيّة الكبرى حاملًا معه ملاحم عنترة والهلالي والزير سالم، فإن ثلاثة أنواع من (الحكواتية) لا تزال تعمل بكفاءة بالغة في مجتمعنا العربيّ ولها حضورها وتأثيرها الكبير.
النوع الأول: الحكواتي المدنيّ في المجالس والمنتديات والمناسبات، ذلك الذي يتصدر مجالس القوم ليروي مغامرات وأحداثا، وللحق فإن عمله هذا شبيه بعمل (حكواتي) القرن الماضي في تجمعات العامّة، هو يواصل حكيه لا ليفيد الناس بما يحتاجون إليه، بل ليضفي إليهم المتعة التي يحتاجها أولًا، وربما احتاجوها تاليًا، ويظل حكيه في دائرة المباح غير المؤثر، والجائز غير المستهجن. أما النوع الثاني فهو (الحكواتي) الداعية الذي يميل إلى التعبد بحكاياته، إذ لا يتردد في البرهنة على موضوع ما بذكر حادثة أو حدث يرغّب فيه الناس ويرهّبهم، ويستهل حكي هؤلاء في أغلبه بعبارات تتدرج في سندها من القوة إلى الضعف، وربما راوح من الصدق إلى الكذب. ومن أمثلة ذلك قولهم: «حدثني أحد الثقات» و»روى لي من أثق به»، وكلتا العبارتين لا يمكن الارتكان فيهما على سند أو إضافة، لكنه خطاب تعبديّ لا ينتمي إلى الحكاية بوصفها فنًا. ويحرص النوع الثالث على أن يكون مزيجًا من النوعين السابقين، لكنه مختلف الأداة، وهو (الحكواتي الاليكتروني)، ذلك الذي يصل إلى جهاز الهاتف لكل من حوله وغيرهم، لكنه يصل دون استئذان، مستغلًا تطبيقات حديثة مثل (الواتس اب) و(تويتر) وغيرهما، ليحكي ويحكي في صيغ شفاهيّة وكتابيّة وبمؤثرات إقناعيّة لا حدود لها، يتوسل إلى ذلك من خلال الإلقاء واللون والدراما والشعر وإيراد الحجج والبراهين، ويتمثل نجاح الحكي في توفر أدواته الإقناعيّة المكثفة، وفي كونه يغيب المؤلف الذي يتوارى وراء سارد مغيب، ويجعل من المستقبل ساردًا جديدًا لها، لكن فشله يتجلى في غياب حوار شفاهيّ أو مكتوب مع متلقيه، ويعدّ هذا النوع الأكثر خطورة في كونه يصل إلى المتلقين دون جهد أو مال.
إن الإشكال في كل الأنواع الثلاثة يتخلق في شيوع حكي غير بريء أريد به اختطاف الحكي من سلطة للعامة إلى سلطة عليهم، ويهدف إلى إخضاعهم لسلطة ما من خلال ترهيبهم وترغيبهم، إذ إن الحكي الشفاهيّ الذي كان خطابًا وحيدًا لتمثيل العامة، حيث الدفاع عن حقوقهم أمام السلطات المختلفة، قد انحرفت وظيفته لدى بعض أولئك إلى تقديم السلطة على عامة الناس رغبة في ترويضهم، ومن ثمّ إخضاعهم وإذلالهم، وكنتيجة أوليّة لذلك فقد الحكي وظيفته وأثره في صقل ثقافة المستمعين ووعيهم، كما فقدت الثقافة الشعبيّة الحكي المؤثر والفاعل.