الكفااااار
الأربعاء، ١٢ نوفمبر ٢٠١٤
اجتمعنا على الطاولة في أحد المؤتمرات من ست جنسيات مختلفة. ليستمر النقاش بيننا لساعات. فما بين الحديث عن العادات والتقاليد، الاقتصاد، السياسة، الأدب، الفن، تسابقت الأفكار والكلمات في حوار ثقافي جميل، تصدرت فيه التشابهات، والاهتمامات الإنسانية والفضول الفطري لمعرفة الشعوب الأخرى صدر المجلس. كانت لحظات ثمينة، فكأنما اجتمع العالم فيها على طاولة واحدة ليفعل حكمة الخالق في جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف. ذابت اختلافاتنا العرقية والعقائدية مع بعضها بعضا لتكون كوكتيلا بنكهة قوس قزح. فمع كل حوار، كنت أشعر بشعلة ضوء تنير جزءا مظلماً من عقلي. ومع كل نقاش، كنت أحس بفيض من التسامح والألفة يوسع حجرات قلبي.
فجأة شعرت بأزيز يحوم حولي، وبصوت طفولي يصرخ بحدة داخل رأسي (حرااااام!!) رفعت رأسي فجأة لتقع عيني على (إلبا) من بوليفيا، وكأنني تنبهت للتو كم هو فستانها عارٍ. أشحت برأسي بعيدا لأتنبه لأول مرة للصليب المرسوم على ذراع (باتريك) الإيرلندي، ليصرخ الصوت داخلي في فزع (كفااااار!!)، أشحت برأسي ثانية، لأسمع (فكرت) يتحدث عن الإسلام المعاصر، فعاد الصوت ليقول في غضب (أي إسلام هذا وزوجتك وابنتك كاشحات الرأس). أخذت نفساً عميقاً وقد شعرت بنفسي في دوامة تكاد تبلعني. فما بين طفلة داخلي ما زالت تعيد نفس الأسئلة التي نشأت عليها (هذا مسلم ولا كافر؟) (هذا حلال ولا حرام؟). وما بين وعيي كراشدة، تعلم بأنه لا يحق لأحدٍ أن يحكم على إنسان إلا بخلقه وتعامله، فكم من مسلمٍ كفر بخلقه! أحسست بالحيرة والتخبط.
تنبهت من حيرتي على صوت (باتريك) وهو يقول (أتعلمون فعلاً أنتم أناس أفخر بمعرفتهم وأعتز بصداقتهم. لو أنكم لاحظتم فإننا كأشخاص تغلب تشابهاتنا اختلافاتنا بكثير، فكلنا نتفق على مبادئ الخير ونرفض مسالك الشر. ولكن للأسف فرقتنا التوجهات السياسية والعقائدية وأوهمتنا بأننا نكره بعضنا وبأننا مختلفون). كان لوقع كلمات باتريك، وقع البياض على السواد. وقع اليقين على الشك. فعدت لأشارك الحديث مع أصدقائي وقد سكت ذلك الصوت إلى الأبد.