عن واقع المفارقات
الأربعاء، ١٢ نوفمبر ٢٠١٤
للأضداد في اللغة العربية مصنفات، وللمفارقات في التاريخ العربي وقائع وتجليات. وعلى هذه الظاهرة نمثل بأنموذجين فقط لضيق الحيز.
الأول يقوم في حالة أبي حيان التوحيدي ونظرائه أو الأقل منه ألمعية وشهرة بين معاصريه، أي في القرن الرابع الهجري الذي كان، حسب تعبيره، زمانا «تدمع له العين حزنا وأسى» على صعيد السياسة المضطربة المتصدعة وتكاثر الفرق والطوائف المتنازعة، وأيضا في ما يخص أحوال الناس المعيشية المتدهورة؛ لكن وبموازاة مع هذه السلبيات الضاغطة، عرف العصر العباسي الثالث، خلافا لما تقول به نظرية المادية التاريخية، انتعاشا فكريا وأدبيا قويا مدهشا، أعطى للتراث العربي أعلاما وازنين، هم من أكبر وجوهه وأهم نوابغه ومنهم، فضلا عن التوحيدي، المتنبي، الفارابي، الأصفهاني، ابن سينا، الهمداني، ابن الهيثم، إخوان الصفاء وخلان الوفاء، المعري المخضرم وغيرهم وكلهم بشيء من التفاوت عاصروا إمارات البويهيين والحمدانيين والإخشيديين.
أما الأنموذج الثاني فهو المتمثل، عقب نهاية الخلافة الأموية بالأندلس (756هـ/1031م)، في قيام حكم ملوك الطوائف (بنو عباد بسرقسطة، بنو ذو النون بقرطبة وطليطلة، بنو الأفطس ثم النصريون بغرناطة)؛ وبينهم أيضا، كما كان الشأن مع الإمارات المذكورة، قويَ التنافس (كميل تعويضي لتصدعهم السياسي) في ما يمكن تسميته بالاستثمار الرمزي، القاضي بجلب كبار الأدباء والعلماء إلى بلاطاتهم ورعايتهم بالرواتب والهبات، ويتفاخرون بهم كما لو أنهم في أعناقهم أوسمة فخرية ووشاحات تشريفية، مما نجم عنه تعدد المراكز الثقافية وانتعاش مميّز لحركة الإبداع والإنتاج في شتى ضروب الآداب والمعرفة. وما مثال ابن حزم، وغيره كثير، إلا واحد من ألمع الأمثلة على ذلك الانتعاش البين، المتجلي عبر تظاهرات مفارقة لتصدع سياسي واقع، وهذا ما قد نسميه التشاكل المفارقتي.