لا داعي للرقص حول مأساة الدالوة

من البديهي أن يستنكر الجميع إطلاق النار على حسينية الدالوة، الذي راح ضحيته عددا من الأبرياء. فالجميع يعلم أن إرهاب العنف المتطرف لن يستثني أحدا ونار الطائفية ستحرق الجميع. هذه الجريمة حدثت في بلد منفتح ونموذج للتعايش منذ قرون. وبالطبع فإن عامة ساحل الخليج العربي الشرقي لم يعرف مثل هذه الحوادث ولم يكن يوما بؤرة صراع واستقطاب طائفي. وذلك يعود بالمقام الأول إلى طبيعة أهله المتسامحين الطيبين. الآن تشير أصابع الاتهام لعناصر من تنظيم داعش، وهذا بحد ذاته شيء مطمئن، لأن هذه الجريمة لم تكن جراء استقطاب طائفي داخلي بين أبناء المدينة، وإنما بعناصر دخيلة. فالعنف المتطرف الذي مارسته داعش وقبلها أمها القاعدة لم يستثن أحدا، فحتى وزير الداخلية تعرض لمحاولة اغتيال، وذهب ضحية عنف القاعدة العشرات من عناصر الأمن الأبرياء. والتغيير الذي طرأ على مسيرة العنف المتطرف هو فقط نوع الفئة الذي تنتمي لها الضحية. ففي التسعينات كانت القاعدة تستهدف الأمريكان في الداخل، ثم تطور الأمر إلى عناصر الأمن ثم تطور ليستهدف القيادة السياسية، والآن تنوع ليصل إلى طائفة الشيعة.
وقد يكون معلوم لدى الجميع أن هذه الجريمة ليست عملا انتقاميا لأسباب إقليمية وحسب؛ بل هو جزء من عملية مدروسة جيدا لنقل هذه الحرب الدينية المقيتة إلى هذا البلد. ففي العراق اندلعت حرب طائفية مقيتة بسبب تفجير ضريح الإمامين العسكريين في سامراء، وفي سوريا فجر ضريحا الصحابيين حجر بن عدي وخالد بن الوليد، لتحويل مسار الثورة السورية من ثورة من أجل الكرامة والحرية إلى حرب طائفية قذرة.
الذي لفت انتباهي أن هناك من اتخذ من هذه الحادثة «قميص عثمان» لتحقيق أكبر حضور لطرحه الضيّق وتبرير مواقفه المخزية من القضايا الإقليمية. فالحديث عن تهميش للشيعة واضطهاد بنفس أقلوّي ضيق كان هو العنوان الأبرز لذلك الطرح. لكن الحقيقة أن السعودية تضم أطيافا مذهبية مختلفة، وجميعها لديها قواسم مشتركة من القضايا والهموم والهواجس، وبالتالي يصبح الحديث عن التكفير ليس مقنعا، فمنذ نشأة المذاهب والتكفير منتشر، ولم يعتد أحد على آخر بسبب طائفي منذ نشأة الدولة. وحتى لو حلت جميع القضايا فإنه قطعا لن تحل المشكلة، طالما أن هناك تطرفا فكريا وشحنا واستقطابا من كلا الطرفين، واتخاذ مواقف مخزية وتبرير جرائم على الساحة الإقليمية!
فمثل هذا الطرح لن يعزز الجبهة الداخلية بقدر ما يكرس العصبوية، ويتخذ من مثل هذه الحوادث وسيلة لتسويغ الآراء إزاء القضايا الإقليمية المبنية على نفس طائفي مقيت. نحن بلد نؤثر ونتأثر مثلنا مثل غيرنا، ومثل هذا التفكير البائس لا يحارب الطائفية بقدر ما يجذبها. فدائما المثقف الأقلوّي المكرس للعصبوية يشبه في طرحه الحشرة التي وقعت في شبكة العنكبوت كلما تحركت وقاومت تعقدت أكثر وأكثر.