3 محاور لرسم خارطة العالم السياسية في قمة العشرين

على مدار يومي 15 و16 نوفمبر الجاري سوف يجتمع قادة العالم في مدينة بريسبان الأسترالية في القمة التاسعة لمجموعة العشرين (G-20)، بهدف زيادة الناتج المحلي العالمي، ورسم طريق للنمو المستدام والشامل، فضلا عن مجابهة التحديات من خلال مجموعة من الإجراءات على المدى المتوسط والقصير.
ويتضمن التقرير الحديث الصادر هذا الشهر عن مركز “بروكنجز” الأمريكي نتائج (العصف الذهني) Think Tank لنخبة من الخبراء والمفكرين ناقشوا ثلاثة من المحاور والقضايا المترابطة وتدور حول كيفية النمو والتقارب وتوزيع الدخل، والتي قد تشكل العناصر الأساسية الثلاثة للمناقشات السياسية في هذه القمة.

أفريقيا: منظور إقليمي

يشير الخبير بمركز “بروكنجز” الأمريكي، أمادو شس إلى أن نمو أفريقيا في مفترق طرق تاريخي، حيث أدى النمو الهائل بين البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين إلى التفاؤل غير المسبوق حول الآفاق الاقتصادية للقارة السمراء، بحيث أصبحت أفريقيا تجد نفسها الآن في مفترق طرق من الناحية التاريخية، والتي يمكن أن تؤدي إلى التقارب مع الأسواق النامية، وفي نهاية المطاف، مع الاقتصادات المتقدمة.
في المقابل يطرح كل من الخبيرين هارون باهورات وآلان هيرش وجهة نظر مختلفة حول “جنوب أفريقيا” فيما يخص التقارب مع الأسواق النامية، ولا سيما مع تصاعد “عدم المساواة” إلى درجات عالية، والنمو البطيء لمسار التنمية الاقتصادية. وأوضحا أنه إذا استمر الحال على ما هو عليه فسوف يؤدي إلى اختلاف النهج الاقتصادي لجنوب أفريقيا على المدى الطويل إلى التخلف عن المسار.

آسيا: الأداء والآفاق

“النمو الاقتصادي في آسيا” هو الشغل الشاغل للعالم اليوم، وحسب نائب رئيس لجنة التخطيط الهندية مونتيك أهلواليا، فإن حصة آسيا في الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد تصل إلى 40% بحلول عام 2030، لكن الزيادة الاقتصادية الكبيرة لدول المنطقة في الاقتصاد العالمي تتطلب تغييرات هيكلية كبيرة في المؤسسات الرسمية للإدارة العالمية.
ويبدو أن التعاون بين أستراليا وآسيا سيكون له دور مركزي في ذلك، كما يقول”بيتر درايسدال أستاذ الاقتصاد في الجامعة الوطنية الأسترالية، فقد تراجع التهديد المباشر للأزمة المالية العالمية الآن، كما أن طموحات المجتمع العالمي ما تزال تركز على التحول الاقتصادي والاجتماعي من خلال التنمية المستدامة في هذه المنطقة الحيوية، لذلك فإن مجموعة العشرين وعلى كل الجبهات، لديها مهمة كبيرة في هذه القمة.

النمو الصيني في العقد المقبل

آفاق النمو الصيني القوي في السنوات العشر المقبلة تتوقف على إعادة التوازن للاقتصاد، مما يساعد على تحسين توزيع الدخل، ولكن في حين أن النمو القوي في الصين يمكن أن يعوض بعض الخسائر للأداء السيئ في الاقتصادات المتقدمة، فإن على العالم الانتظار حتى يتمتع الفرد في الصين بدخل أعلى بكثير مما نتوقع من بلد أصبح مستوردا للسلع الاستهلاكية الرئيسة.

الهند والركود العالمي

يؤكد كل من الخبيرين الهنديين راكيش موهان ومونيش كابور أن تباطؤ النمو الذي ظهر الآن في البلدان المتقدمة والنامية يستلزم “تدابير سياسية صحيحة “، وهو ما يجب طرحه بوضوح على قمة العشرين في بريسبان بأستراليا، وبدون ذلك لا تستطيع الهند وحدها مقاومة هذا الاتجاه.

اليابان وتجاوز الانكماش

يؤكد الخبير الاقتصادي الياباني يوشيو أوكوبو أن ضعف الاقتصاد العالمي والاحتمالات غير المؤكدة بتعافيه مستقبلا أثارا الجدل من جديد حول إمكانية الركود العالمي أو الانكماش في الاقتصادات المتقدمة لفترات طويلة، وغالبا ما تؤخذ تجربة اليابان كنموذج للخروج من الانكماش على سبيل المثال. فقد اتخذت مجموعة من الإجراءات والتطورات الاقتصادية الأخيرة في اليابان، والتي تمثل خارطة طريق لتجنب المزالق المحتملة لصناع القرار في الاقتصادات المتقدمة والتي قد تواجههم في مرحلة ما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية.

كوريا وأزمة منتصف العمر

تعتبر كوريا الجنوبية مثـالا ساطعا على ذلك البلد الـذي كان قادرا على تحقيق نمو سريع ومشترك، لكنه يواجه الآن تحديا يتمثل فيما يبدو أنه نمو بطيء، لكنه من ناحية أخرى يوفر في نفس الوقت عـددا من الدروس لنضج الاقتصـادات التـي تمر بأزمة (منتصف العمر)، أو ما يعرف بالتعافي الاقتصادي بعـد الأزمـة المتوقعة عادة نتيجة النمو السريع.

أوروبا والركود العالمي

كيف يمكن أن تتجنب دول الاتحاد الأوروبي الركود العالمي؟ هذا السؤال طرحه الخبير الاقتصادي جونتران ولف، وأجاب بعبارة واحدة وهي: ثلاثة تدابير سياسية مركزية يمكن أن تساعد منطقة اليورو وتحميها من الركود. أما الخبير الفرنسي جاك ميسترال فهو يستكشف الآفاق الجديدة التي تمنح الأمل لأوروبا في النجاة من تقلبات أمواج الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من تجاوز منطقة اليورو للمرحلة الحادة من الأزمة العالمية عام 2008 ، ولا سيما الديون، فإنها دخلت من جديد المياه المضطربة للاقتصاد العالمي، ولا سبيل للإفلات من هذه الدوامة إلا بالنمو والتقارب ومراعاة الظروف الاجتماعية لدول القارة.
ومن جانبه يؤكد الخبير الإيطالي باولو جيريري أن تباطؤ النمو في منطقة اليورو يتطلب جهودا طويلة الأجل وسياسات جديدة، فضلا عن المزيد من التكامل، لكن المصالح الوطنية لا تزال تعلو على المصالح الجماعية لدول القارة، لذا فإن أزمة منطقة اليورو ستتعمق، إذا لم تعالج بشكل صحيح، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة عالمية مثيرة.
وبدوره يشير الخبير دانيال جروس إلى مسألة مهمة، وهي التيسير الكمي والانكماش في الاقتصادات الدائنة، حيث تشكل المدخرات الفائضة لدول شمال أوروبا مسألة خطيرة للاقتصاد العالمي وليس لأوروبا فقط، لذلك ينبغي أن يكون هذا الموضوع على جدول أعمال مجموعة العشرين.

روسيا..تأثير غير مباشر

يرى الخبير الاقتصادي سيرجي دروبيشفسكي أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية المتوقع مع زيادة الطلب والاستهلاك يشير إلى احتمال تباطؤ سرعة النمو الاقتصادي وعدم الاستقرار على المستوى المتوسط في الأسواق العالمية، لكن ذلك لن يشكل تأثيرا مباشرا على الاقتصاد الروسي.

التنمية في أمريكا اللاتينية

حققت أمريكا اللاتينية في عقد واحد التنمية الاقتصادية بمعدلات نمو عالية دون انقطاع، مما وضع حدا لربع قرن من الانخفاض النسبي في مستويات نصيب دخل الفرد، ووضع اقتصاد أمريكا اللاتينية وجها لوجه أمام الاقتصادات المتقدمة، ولكن مع الظروف الخارجية غير المواتية للغاية فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد بمعدلات متواضعة قد تبلغ نحو 2% من حيث نصيب الفرد في المستقبل المنظور، مما يجعل حلم التقارب والتنمية المحتمل في المنطقة لا يتحقق في المستقبل القريب. ويشير الخبراء إلى أن الأرجنتين وجدت نفسها مرة أخرى في دائرة الركود، ولكنها أكثر تفاؤلا هذه المرة من الأزمات السابقة، لأنها تسير على الطريق الصحيح.
أما في البرازيل فيؤكد الخبير كلاوديو فريستاك أن التغيرات الديموجرافية والتكنولوجية سيكون لها انعكاسات مهمة للنمو على الصعيد العالمي، ويمكن أن تعجل بصعود البرازيل واقتصادات الدول النامية الأخرى. وهو ما يؤيده الخبير المكسيكي جييرمو اورتيز، حيث إن هروب أمريكا اللاتينية من فخ التباطؤ وانخفاض معدلات النمو والدخل المتوسط يتطلب الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي والمالي الذي تحقق خلال العقد الماضي، والمضي قدما في تنفيذ برنامج للإصلاح الهيكلي.

الشرق الأوسط

يرى الخبير العربي بمعهد بروكنجز حافظ غانم أنه بعد أكثر من ثلاث سنوات على ثورات ما يعرف بالربيع العربي، فإن التحول العربي باتجاه الديمقراطية غرق في صحراء الرمال المتحركة، ومعظم اقتصادات الدول العربية تمر بمرحلة انتقالية في الاتجاه إلى الأفضل قليلا، لكن إسراع الدول النامية في التقارب مع اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، مجموعة البلدان المتقدمة التي تقبل مبادئ اقتصاد السوق الحر، يمكن تحقيقه بشكل أفضل من خلال المزيد من الاستثمارات في رأس المال المادي والبشري، والمؤسسات الكبرى.
ويؤكد علي الصادق أن الاقتصاد السعودي حقق نموا سريعا في العقود القليلة الماضية، مع ارتفاع الدخل الحقيقي للمواطن السعودي، ومع ذلك فإن الفشل في تنويع الإنتاج للقطاعات غير النفطية لتوليد المزيد من فرص العمل حال دون مقاربة الاقتصاد السعودي للاقتصادات المتقدمة، فضلا عن النمو السكاني المرتفع، والتأخر في إزالة القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي، وتفاقم التفاوت في الدخل. وأفاد أن التحول الاقتصادي واستراتيجية التنويع في الأنشطة الاقتصادية المولدة لفرص العمل هما المفتاح السحري لتحقيق التقارب السريع مع الاقتصادات المتقدمة.

خصوصيات تركية وأمريكية

تركيا قد تكون حالة اقتصادية خاصة، لكن التقدم الاقتصادي للبلاد ينبغي أن يساير الاقتصاد العالمي الذي يزداد ترابطا يوما بعد يوم. أما في الولايات المتحدة فيعترف روبرت جوردن بأن النمو الاقتصادي الأمريكي سوف يتزايد على المستوى القصير، لكن الأمر يختلف بشأن النمو الاقتصادي في المستقبل، ناهيك عن “التفاؤل التكنولوجي” الخاطئ!
وفي كندا يؤكد الخبيران جيان بوافين وتيف ماكليم أن الركود العالمي ليس قدرا محتوما، بل إن النمو السريع يمكن تحقيقه مع اتخاذ سياسات أفضل. وعلى الرغم من ارتفاع المخاطر التي تهدد مجموعة العشرين بشكل غير مسبوق، فإن النمو السريع في متناول أيدينا، فقط سيتطلب الأمر اتخاذ البلدان المعنية إجراءات فردية وجماعية لتجنب الركود العالمي، مع مزيد من العزيمة والإصرار وبعض الوقت.