ما بعد "الدالوة"

ليس هناك بلد من بلدان الدنيا في القديم والحديث، وفي البلدان المتقدمة والمتخلفة، والدينية والعلمانية، بلا تنوع واختلاف مذهبي وعرقي واجتماعي وثقافي. وليس هذا التنوع والتعدد بلا حساسيات واحتقانات تخفت حيناً حتى لكأنها غير موجودة، وتتوقد حيناً آخر حتى تستعر الفتنة الأهلية ويلتهب العنف. بل إن من شأن التنوع والاختلاف أن يتولَّد ويحدث ويتزايد، فتنشأ في المذهب الديني تفريعات عن أصله، ويحدث من التلاقح مركَّبات نوعية مختلفة عن محتدها.
وإذا كان الأمر كذلك فإن قوة أي بلد في الدنيا تبدأ من استيعاب هذا الاختلاف وتحويل الصدام بين مكوناته إلى حوار، واستهلاك طاقة أطيافه في التشاحن والكيد والسجال العقيم إلى تنافس عملي وإلى برهنة على أن الوحدة هي جمع المختلف وليست إلغاءه ومحوه، وأن حركة التاريخ وتكوُّن المجتمعات المدنية لا يحدثان بغيره.
لكن هذا المنطق النظري يكشف في الآن نفسه عن أن هناك جرثومة قاتلة تتولَّد في ثنايا الاختلاف والتنوع التي تكوِّن المجتمعات فتفتك بها. ومهما اختلفت أشكال هذه الجرثومة وأسماؤها فإن لها خاصية تتوحد فيها أنواعها ويصبح كل شكل منها مؤدَّى إلى الفتك وطريقاً إلى الهاوية. فالطائفية التي تعني الحساسية بين مكونات مذهبية مختلفة دينياً، هي ابنة تلك الجرثومة وهي شقيقة للقبلية والمناطقية والطبقية والعنصرية بأنواعها، بالمعنى نفسه الذي يتحسس اختلاف المكونات لكنها في هذه الأخيرة اجتماعية وما إلى ذلك. أما ما يجمع بين أشكال الجرثومة هذه فهو التمييز ضد المختلف، وتبادل الإقصاء والتنافي معه.
وسبب حديثي هذا هو جريمة الدالوة، فهي جريمة إرهابية، أي أنها مقترفة ضد مدنيين من قبل أفراد ينتمون إلى فكر تكفيري، فليست نسبتها إلى الإرهاب بسبب وقوع القتل فقط، ولا لأنه ضد مدنيين وإنما لأنه تحت لافتة التكفير وبسببه. وإلى هنا لا جديد في الصفة الإرهابية للجريمة، الجديد فيها هو توجيهها إلى مواطنين مختلفين مذهبياً، وهذا ملمح مختلف في أهداف الإرهابيين الذين كانوا يستهدفون في المملكة غير المسلمين. ولهذا ارتفعت وتيرة القلق رسمياً وشعبياً، وتجلى التعاطف والإدانة كما يُحِب كل حريص على استقرار الوطن.
وعلى رغم ذلك فإن الحادثة فتحت أفواه التهييج الطائفي البغيض في مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض القنوات، سواء باستخدام «لكن» التي تميِّع ما يسبقها من إدانة خجولة بالإحالة على الطائفية في البلدان المجاورة، أو باستحضار الاتهامات القديمة وتوزيع مقاطع الفيديو للبرهنة بكلام بعض العلماء والمشايخ. وقد يأتي ذلك في شكل هجوم كاسح على من يدين الجريمة ومن يتحدث عن التعايش من موقع التمييز ضده بمعنى أو بآخر.. الخ وهو تهييج كأنه لا يبتدئ موقفه وإنما يعززه!
هنا تتجلى المشكلة، وهذه لحظة «ما بعد الدالوة» التي ينبغي أن نواجهها بتعزيز الصفة الوطنية ضد كل معاني التمييز والانتقاص والإساءة من كل الأطراف. ولن يكون ذلك من دون التجريم لها بقوانين شرعية تستلهم سماحة الدين وتصون معنى الوطنية.