سجائر داعش

قبل أن تنفذ المقاتلات الأمريكية مؤخرا عملياتها المبنية على معلومات استخباراتية، في خرق يُعدّ الأنجح من نوعه لصفوف قيادات تنظيم داعش، قام التنظيم باشتراط خضوع منسوبيه الجدد إلى اختبارات مدعومة بتزكية من أحد المشايخ المعروفين. وهذه التوجيهات للأعضاء الجدد بلغت من سذاجة التنبيه المرتبط بهيئة الشخص بأن يبتعد عن ارتداء الملابس الدينية، وألّا يحمل كتبا دينية وأن يحمل بدلا عنها سجائر وأموالا لمتطلبات الطريق.

بهذه الطريقة يُفترض أن تعمل التدقيقات الأمنية في مناطق العبور على ضبط كل من يحمل سجائر وكل من تبتعد ملابسه عن شكل الملابس الدينية. وليس بغريبٍ على داعش هذا التفكير الشكلي حتى في أموره الأمنية، فمنذ أن بدأ التنظيم وهو يراهن على أن يكون شكل دولته المزعومة مختلفا عن أيّ أشكال الحداثة إلّا فيما يرتبط برفاهية قادته أو أغراض الدمار. فلهاتين الغايتين يمكن أن تُستجلب كل أدوات العصر لتسهيل الخراب والتفجير والتقتيل.
هذا التنظيم بلا عقل ولا روح، لذا فمن غير المنطقي مجادلته بقواعد الإسلام التي يذكرونها في المظهر ويجافونها في حقيقة أفعالهم المشينة. لا جدوى من تذكير قادة تنظيم داعش وأفراده بكل هذا، ولكن نذكّر أنفسنا بمبادئ ديننا السمحة بأنّ هناك قواعد تسامح حياتية يدركها البشر بطبيعتهم المفطورة على كريم الخصال. 
وبشكل عام يمكن أن نجد هذه القواعد مبذولة في كل الثقافات، فحينما وضع فولتير وجون لوك قواعد التسامح في الحياة السلوكية، كان ذلك لضرورة الإدراك أنّ أكبر مصيبة تحيق بالتفاعل الاجتماعي والفكري في الحياة العامة هي التعصب، لأنّه يعمل عكس قوانين الطبيعة في توازنها. أما التسامح كقيمة أخلاقية فاختباره الحقيقي يكون في مجتمع قائم على أحضان ثقافة التحليل لظواهر اجتماعية مختلفة في تحديها، وغير متوافقة في تصديها لعوامل الشد والجذب المزِّين لفضيلة التسامح والمُبعِد لرذيلة التعصب. 
إنّ المهم في الأمر هو العمل على إبعاد شبح التعصب في هذا الوقت الحرج والذي نحتاج فيه إلى كسب الآخر وبذل الأدلة للتعريف بسماحتنا وتقبلنا للآخر. هذا السعي من قِبل تنظيم داعش الذي لا يمثّل الإسلام، يذهب مناقضا للطبيعة الإنسانية السوية ناهيك عن تناقضه مع الإسلام الذي يرى في ارتداء ملابسه - إن كانت له ملابس محددة - موردة للهلاك. 
أسوأ ما في هذا الأمر أنّ مشروع داعش يوافق هوى مريضا عند البعض، يتكون ذلك باستدراجه إلى ميول التطرف. ومجتمعنا غير بريء من تقاطع منابع التسامح والتعصب فيه، وذلك تبعا لطبيعة غالبة وخلفيات ثقافية وفكرية متشابكة ومستوى حضور لهذه الخلفية واضح. ففي أحيانٍ تكون قيمة التسامح سائدة، وأحيانا أخرى تبرز ملامح التعصب الديني والقبلي والسياسي، وبالرغم من تجميل هذه الصفات، إلّا أنّها تظهر بين ثنايا التعاملات بحيث لا تصلح مداراتها بكل أشكال الخطاب الأخرى، فقد جربنا تكفير غيرنا وأغلقنا باب الحوار واضطهدنا ونفينا وقتّلنا وهجّرنا الآخر منّا.
حسُّ داعش الاستخباراتي المريض لن يضرّ به كجماعة فقط، وإنّما سيمتد ليشمل أبرياء لا علاقة لهم بملابس التنظيم وكتبه الدينية وسجائره التمويهية. ليس وقت الندم ولكن ماذا كان سيضرّ لو أنّنا عملنا على الاعتناء بارتباط الشباب المنضوين تحت لواء داعش الآن، بجوهر الإسلام كاعتقاد روحي وعقلي وليس كشكل ومظهر. نجني حصادا مرّا لغرس لم نقم بتشذيبه وإزالة الحشائش الضارة المحيطة به، فما أفدنا غير الفرقة والشتات الواضحة ببراهين الواقع، وما داعش الآن إلا حشائش طفيلية يتمنى الجميع استئصالها من منبتها.
يقع على عاتقنا ثِقل مهمة جليلة وهي تفكيك البُنى التي قامت عليها هذه المفاهيم، وإعادة تشكيلها بما يعزز قيم التسامح وإعادة بنائه. وتظل هذه هي المهمة الشاقة التي تتطلب خطابا ثقافيا وفكريا قادرا على تشكيل أجواء تساعد على التأقلم داخل مجتمعاتنا الإسلامية. وهذا التوجه نحو الانتماء ليمكّن من استيعاب التناقضات والتقاطعات بين المذاهب والقوميات المختلفة، تحت لواء يرفرف بالأمن والسلام.