مهربو إثيوبيا يغتصبون ضحاياهم ويتاجرون بأعضائهم
الاثنين، ١٠ نوفمبر ٢٠١٤
أحجمت الفتاة الإثيوبية “أ.ب” (25 عاما) عن محاولة السفر من بلادها “تهريبا” بعد أن روت لها فتاة أنها تعرضت للاغتصاب أثناء تهريبها.
وتقول “أ.ب”: “حاولت عدة مرات السفر عبر الحدود بطرق غير شرعية، ولكني عدت مرتين من الأطراف، ولم تكن رحلتي موفقة، إذ تبين أن الذين اتفقت معهم لا يستطيعون تهريب الأشخاص، وهي مجرد محاولات أحيانا تفشل وأحيانا تنجح، وخلال رحلتي تعرضت للعديد من المتاعب وخسرت كل الأموال التي كانت معي، وفي المرة الأخيرة تعرفت على فتاة قالت لي إنها تعرضت لعمليات اغتصاب في إحدى المناطق من عدة أفراد بالتناوب، فخفت وعدت إلى مدينتي ورفضت الذهاب مجددا”.
ففي أديس أبابا لا يتوقف حديث الناس عن تعرض الفتيات للاغتصاب أثناء تهريبهن، بل يتطرقون إلى ما هو أخطر من ذلك، إذ يقولون إن المناطق الحدودية تشهد عمليات اتجار بالبشر ومتاجرة بالأعضاء البشرية بعد سرقتها، واستعباد وتسخير، وأن هناك مجموعات اتخذت من هذه الأمور مهنة لها، إذ تستغل طموح بعض الإثيوبيين بالسفر والهجرة إلى بعض الدول المجاورة وبطرق غير شرعية، خصوصا أن إثيوبيا لا تزال تواجه تحديات كثيرة منها الفقر والبطالة.
وأسهم قرار الحكومة الإثيوبية الذي اتخذته قبل عام، بوقف إيفاد العمالة إلى بعض الدول العربية في فتح فرص إضافية أمام مهربي البشر والسماسرة، وأصبح أغلب الأفراد يهربون عن طريق البر إلى السودان ومنه إلى ليبيا عبر الصحراء وإلى مصر ومنها إلى إسرائيل، وعن طريق الصومال وجيبوتي ومنهما عبر البحر الأحمر إلى اليمن والمملكة العربية السعودية، وهذه أخطر الطرق التي يتعرض خلالها الأفراد للبيع والانتهاكات وسلب الأموال، وأحيانا يتركون في الصحراء أو في عرض البحر دون أن يقودهم المهرب إلى أي موقع.
وقد تم تسجيل العديد من الحالات التي ألقي القبض عليها على السواحل اليمنية خلال هذا العام.
ضحايا الطموح
وأغلب الانتهاكات تحصل لها خلال عبور الحدود بين الدول، إذ توجد بين السودان وإثيوبيا طرق ومعابر خفية لا يعرفها إلا المهربون، وهي طرق خطرة عبر المشاريع الزراعية، والتي في الغالب يتعرض فيها البشر إلى حالات اغتصاب والعمل بالسخرة لفترات طويلة، أو يتم حجزهم فيها، وأحيانا يتعرضون للضرب والتعذيب.
ومن خلال متابعة “مكة” لهذا الملف، التقت مجموعة تتحدث عن حكايات حدثت لها، بأسماء شخصيات أخرى، ويتجنبون التحدث لأي شخص ينتسب لأي وسيلة إعلامية، وكأن للمهربين أساليب لإخافة الناس.
ويقول بعض أفراد هذه المجموعة: عند الحدود الإثيوبية الجيبوتية، يتم تهريب البشر وعند خروجهم من الحدود يباعون إلى مجموعة أخرى، وأحيانا يتعرض بعضهم لعمليات اغتصاب وبيع للأعضاء البشرية، كما تباع الفتيات والنساء لأفراد من سكان المناطق الطرفية من البدو والمهربين ولا يعرف مصيرهن بعد ذلك.
وما بين الاتجار بالبشر وتجارة الجنس، هناك مهربون يستغلون الناس لتهريب البضائع والمخدرات على الحدود التي تضعف فيها النشاطات الأمنية للحكومات وخاصة مع انتشار الجماعات المسلحة والإرهابية في منطقة القرن الأفريقي الذي يعد من المناطق الخطرة أثناء التجوال بين الدول.
خداع ونهب
ويروي أحمد موسى تجربته في الهجرة إلى ليبيا، فيقول: عندما نويت الهجرة سمعت أن الطريق عبر السودان سهل وآمن، وعرفت أن مبلغ ألفي دولار يكفي لهذه الرحلة، وكان أمامي خطوتان: الأولى الدخول إلى السودان، والثانية الدخول إلى ليبيا.
عبرت السودان، ودخلت مدينة المتمة الحدودية، ومنها دفعت مبلغ 300 دولار للخرطوم، خلال الرحلة كان علينا أن نقطع منطقة التفتيش بين حدود البلدين بالأرجل كأنك متسوق وبدون أي أمتعة، وفي المساء عبرنا المدينة للطرف الآخر، فكانت في انتظارنا سيارة صغيرة تقل سبعة أفراد أكثرها من الفتيات القاصرات.
وعند سؤالي إحداهن، قالت إنهن أكملن يومهن الرابع وتعرضن للعديد من المضايقات، وصرفن كل ما يملكن للسفر، ومنهن من كن يسكن مع شبان مجهولين مقابل وعود بالتسفير، ومنهن من اغتصبن وتركن.. وعندما اقتربنا من الوصول للمدينة، تم إيقافنا، وطلبت منا مبالغ إضافية، لأن هناك نقاط تفتيش، وقيل لنا إذا لم ندفع فلا نستطيع المرور وقد تتم إعادتنا، ودفع كل منا 50 دولارا إضافية لم تكن ضمن الاتفاق.. ولدى وصولي إلى منطقة تسمى سوق ليبيا نهبت أموالي من قبل أفراد ادعوا أنهم من الشرطة، وكانت لدي سلسلة ذهب بعتها وعدت لبلادي، ولن أكرر هذه التجربة.
الأعضاء المرغوبة
وتقول السيدة “ع.م” كنا في منطقة بالقرب من مدينة الحمرة (شمالي غرب إثيوبيا على الحدود مع السودان)، وكنا حسب الاتفاق مع الشخص الذي اتصلنا به أن نتحرك لهذه المدينة، بانتظار اتصال منه، وفجأة ألقت الشرطة القبض علينا، وتمت إعادتنا بعد الاستجواب والتحري، وذلك بعد تقديم إرشادات لنا ومعلومات عن أضرار السفر بالطرق غير الشرعية.
وتضيف: أغرب موقف مررت به هو أنني تعرفت على فتاة كانت قد فقدت إحدى عينيها، وقالت لي إنهم انتزعوها بقارورة مياه معدنية فارغة، وأحيانا يأخذون الكلى.. وعلى الرغم من ذلك كانت تحاول مرة أخرى أن تسافر بطريقة غير شرعية.
نكران وخوف
هذا ما يتعلق بالضحايا، أما المهربون فإن الوصول إليهم لم يكن سهلا إطلاقا، إذ يبدو أنهم شبكات منظمة تدار ما بين الدول، مجموعة تعمل في المدن الكبرى ومجموعة تذهب للقرى لاصطياد الفرائس، وخاصة في الأطراف، ومجموعات في المعابر، ومجموعة أخرى تقوم ببيع البشر لمجموعات على حدود الدول، وهم بدورهم يعملون مع أفراد متخصصين في بيع الأعضاء البشرية.
“أ.أ” واحد من الأشخاص الذين يقول الناس إن لهم علاقة بالمهربين، وله دور كبير في عملية تسفير بعض الأشخاص إلى الخارج. إلا أنه لدى محاولة “مكة” التحدث إليه، أنكر مرارا علاقته بهذا العمل.
وبعد إلحاح، قال إنه كان ساعد عدة فتيات على السفر للخارج، ولكن بعد ما تعرض له من مشاكل من أولياء أمور بعض الفتيات، ترك هذا العمل بدون رجعة “ولا صلة لي به”.
وسألناه عما إذا كان يعرف أفرادا آخرين محددين يعملون في هذا النشاط، فأنكر وتحدث بأن هذا قد يعرض حياته للخطر.
الظاهرة تقلق أفريقيا
حذرت رئيسة الدورة الحالية لمجلس السلم والأمن الأفريقي قونجيت سانجيورجيس، من تعرض النساء والفتيات للعنف الجنسي والاتجار بالبشر خلال الصراعات، واعتبرت أن هذه القضية لا تحظى بالترويج الكافي لمكافحتها والمخاطر التي تنجم عنها.
وقالت في مؤتمر عقد في مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا أخيرا: إن التقارير الوارد تؤكد تعرض النساء والفتيات للعنف الجنسي في أعمار مبكرة.
وحثت على تنسيق الجهود، وإشراك النساء في مراقبة الانتخابات والنزاعات للمساهمة في الحد من العنف، وتقليل هذه الجرائم، ووضع سياسات لا تتسامح معها.
من جانبها اعتبرت ممثلة مفوض مجلس السلم والأمن الأفريقي رودا توموسيمي، أن مسألة الصراعات بأفريقيا تظل مسألة ذات أولوية، محذرة من أن العنف الجنسي يسود بصورة واسعة في أفريقيا، حيث يجري اغتصاب واستعباد النساء من قبل الجماعات المعارضة المسلحة في أماكن الصراعات، مما يتطلب ضرورة تفعيل القوانين ومواثيق الاتحاد الأفريقي لحقوق الإنسان والمواثيق الأخرى ذات الصلة.
ونادت بضرورة اتخاذ إجراءات صارمة لمنع العنف الجنسي ضد النساء، وتمكين الاتحاد الأفريقي من المساهمة الحقيقية في الحد من العنف الجنسي ضد النساء.
بروتوكولات واتفاقات وقوة أمنية مشتركة
وقعت إثيوبيا والسودان في سبتمبر 2013، اتفاقات وبروتوكولات لمكافحة الاتجار بالبشر في الشريط الحدودي بين البلدين والتي شهدت عمليات عدة أدت لتضرر إنسان المنطقة.
واتفق البلدان على تكوين فرق أمنية مشتركة لحماية الحدود من جرائم الاتجار بالبشر والتسلل والمخدرات، في الوقت الذي استضافت فيه مدينة القضارف السودانية مؤتمرا لتنمية وتطوير الولايات الحدودية والأقاليم الإثيوبية المتاخمة للمدينة.
وأكد والي القضارف الضوء الماحي على تكوين فرق أمنية مشتركة لحماية الحدود من جرائم الاتجار بالبشر والتسلل والمخدرات.
وفي مارس الماضي، أعلن السودان تلقيه دعما من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين يخصص للأجهزة النظامية والشرطة لمكافحة ظاهرة التهريب والاتجار بالبشر في شرق السودان التي تعد أكثر المواقع المثلث ما بين السودان وإريتريا وإثيوبيا.
وكشف وزير الدولة بالداخلية السودانية بابكر أحمد دقنة إجراءات للسيطرة على معسكرات اللاجئين وضبطها، وأعلن عن تنسيق أمني يقوم به السودان مع دولتي إثيوبيا وإريتريا لمحاربة الاتجار بالبشر.
وقال إن السودان طالب، في مؤتمر الحدود الذي أقيم بالمغرب، بدعم جهوده محاربة ظاهرة الاتجار بالبشر الأمر الذي وجد تجاوبا من بريطانيا وبعض الدول الأوروبية، باعتبار أن السودان يعد معبرا للاجئين الذين يقصدون أوروبا عبر التهريب.
وأشار إلى أن قانون منع الاتجار بالبشر ساعد على الحد من الظاهرة، للعقوبات الرادعة والتي تصل للإعدام.
.. ومطالبة بآلية لتنفيذها
تؤكد المختصة في الشأن الاقتصادي منى أحمد تضرر الإثيوبيين من هجرة بعض أبنائهم بالطرق غير الشرعية، لافتة إلى أن ما يدفعهم إلى ذلك هي الظروف الاقتصادية المتفاقمة والأوضاع السياسية التي تمر بها المنطقة.
وأشارت إلى أن هناك توجها إقليميا من حكومات المنطقة لمكافحة هذه الظاهرة، خاصة ما خرج به مؤتمر الخرطوم تجاه قضايا الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، داعية الدول إلى الاتفاق على آلية لحل هذه المشكلات.
الصحفية أدماسو المهتمة بالشأن الإنساني تقول: تعد من أكثر المآسي التي تواجه البشر في المنطق هي الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر وأغلب الذين يتعرضون لهذه الحالات ليس من المحتاجين بل من المقتدرين والذين يقومون ببيع أملاكهم من بقر ومحاصيل وعقارات طلبا للمزيد وأحيانا رفضا للعيش في البلاد وعلى حسب الإمكانات.
وأضافت: كثير ما يتعرض الناس لمثل هذه المواقف، وعلى المجتمع تقديم جهود كبيرة وتعاون كبير لمواجهة مثل هذه الظواهر وعلى الحكومات تدريب الناس وتعريفهم بهذه المخاطر ويجب تأهيل المواطنين من أجل أن يجدوا فرصا للعمل ويقوموا في الإسهام في الحراك الاقتصادي، مشيرة إلى أن الذي يملك المال هو أكثر من يتعرض لمثل هذه المواقف.
.. وجهود لإصدار قانون رادع
أنشأت إثيوبيا المجلس الوطني لمحاربة الاتجار بالبشر ومحاربة الهجرة غير الشرعية برئاسة نائب رئيس الوزراء الإثيوبي دمقي مكنن وكبار الشخصيات من الوزراء والمؤسسات العامة في الدولة المعنية بهذا الملف.
وأوضح المجلس أنه تمكن خلال العام الماضي من إعادة أكثر من 160 ألف إثيوبي من السعودية التي هاجروا إليها بطرق غير شرعية واستقبالهم وتمكين سبل العيش لهم في المناطق التي هاجروا منها، في كل من أقاليم أورميا وأمهرا وتقراي وإقليم جنوب البلاد وإدماجهم في المجتمع وتدريبهم في شتى المجالات لتوفير فرص عمل لهم.
ويعمل المجلس الآن في محاولة إشراك المجتمع في محاربة السماسرة الذي يقومون بنقل الشباب عبر السبل غير الشرعية، عبر وضع قانون لمعاقبة كل من ثبت تورطه في الاتجار بالبشر أو تهريب البشر بالطرق غير بشرعية.