العلمانية ليست حلا !!

يدهشك أحيانا حجم المغالطات والتزييف فيما يكتبه البعض إلى حد الذهول، وكيف أصبحوا يلقون بالطوام الكبار بكل جرأة واستعلاء، دون أن يعوا بأن الناس لم تعد أسيرة لزاوية صحفية معينة، أو ملحق ثقافي، أو قناة تلفزيونية، وأن درجة الوعي قد فضحت مساحيق التجميل الخادعة، وتجاوزت أساليب التلاعب بالألفاظ والمصطلحات، وأبرزت المعادن الصادقة من تلك المغشوشة، فحين يقول أحدهم بعد كل ما رأيناه على أرض الواقع الإقليمي إن العلمانية هي الحل، فليس أمامك إلا أن تضحك بملء فيك وتلقي بهذه المقولة في سلة المهملات، وتأسى في الوقت نفسه على هذا الفريق الذي يتعمد قلب الحقائق، فلا يرى أو لا يريد أن يرى كل جرائم وفظائع دعاة العلمانية وعرابوها في المنطقة، وكيف تحولوا إلى وحوش دموية لا تقر بحرية، ولا بقانون، ولا تؤمن بديمقراطية قد تسمح لمن خالفها بمجرد الوجود فضلا عن المنافسة، وخصوصا إذا كان يحمل توجها إسلاميا.
أيها السيد الكاتب والمفكر الخطير، من قال لك بأن التيار الإسلامي حكم أصلا حتى تربط تجربته بالظلم والفساد، ومن قال لك بأن التجربة التركية لا تمثل الفكرة الإسلامية العامة من العدالة ومحاربة الفساد وتطبيق النظام وهي التي جاءت بعد السنين العجاف الطويلة للعلمانية التركية العتيدة، فغيرت واقع تركيا الإنسان وتركيا الحضارة إلى الأفضل بمراحل، وأضحت على أعتاب مشروع نهضوي عالمي كبير، ومن قال لك إن العلمانية قد جاءت لحفظ الضرورات الخمس في حين جاء الإسلاميون ليهدموها، أليس من الواجب الأخلاقي والمهني أن تعرض القضايا بصدق وموضوعية لا بمجازفات وتزييف، أليس من اللائق أن تضع الوقائع المحيطة بنا في سياقها الطبيعي الواقعي والذي عرفه الجميع دون القفز والتحريف والمراهنة على نسيان أو جهل بعض القراء.
ليست التجربة الإسلامية مقدسة ولكنها لم تكتمل، وليست إلا اجتهادات بشرية تستلهم قواعد الإسلام وأحكامه وقد تخطئ، ولكنها أيا كان الموقف منها لا تبرر الدعوة إلى اعتماد العلمانية منهجا ومخرجا. 
وإذا كانت العلمانية – كما تقول – لا تعني فصل الدين عن الدولة، وإنما تعني النظام والقانون الذي يدعو إليه الإسلام، فلماذا أتيت بهذا المصطلح إذن وما الحاجة إليه، فلتكن دعوتك لمنهج الإسلام نفسه إن كنت صادقا فعلا في بحثك عن النظام والقانون ومحاربة الفساد تحديدا، إن تسطيح فكرة العلمانية لتمريرها عبر مستنقع الأكاذيب والمغالطات المرتبطة بالفكرة الإسلامية ليس أكثر من مناطحة وعل لجبل، سيبقى الجبل مكانه أبدا حتى وإن هبت وعول أخرى، وستبقى الموضوعية والحقائق في محلها وما لم يظهره الإنصاف والتجرد والعدل في الخصومة سيظهره التاريخ الذي لا يكذب.