فشل العم سام!

(لا يمكن لأمريكا إقناع العالم بأن قلبها تملؤه الرحمة والإنسانية بينما هي أكبر تاجر سلاح في العالم، ولا يمكنها ادعاء الدفاع عن السلام بينما لديها ترسانة نووية تكفي لتدمير المجموعة الشمسية).

هل يمكن تسويق مفاهيم الحرية والديموقراطية والتنوع بذات الطريقة التي تُسوق بها السيارات والهواتف المحمولة والأحذية الرياضية؟
هذا ممكن بالطبع، في عُرف الولايات المتحدة الأمريكية على الأقل، وإلا ما كانت قد أصرت عليه طوال القرن العشرين وحتى الآن..
لكن الأسلوب الأمريكي في تسويق تلك المفاهيم، التي يعتبرها العم سام تكثيفا للشخصية الأمريكية، فيه لمسة فريدة مضافة إلى نمط التسويق المعهود للعلامات التجارية الكبرى، المعتمد على الإلحاح الدائم، وربط الاستهلاك بالسعادة والتحقق الشخصيين للزبون، فالأمريكيون يمنحون أنفسهم دائما الحق في استخدام عضلاتهم العسكرية المنفوخة؛ لدعم مساعيهم المخلصة لتحويل العالم إلى جنة ينعم سكانها جميعا بالديموقراطية والحرية..إلخ!
لكن المذهل هنا ليس اختيار الولايات المتحدة لهذه الطريقة التعسفية لفرض قناعاتها على العالم، وهو أسلوب يتناقض مع الهدف ذاته، فالإنسان لا يستطيع منطقيا أن يقتنع بفكرة ما تحت تهديد صواريخ الكروز، والطائرات المؤتمتة.. لكن المذهل هو الإصرار على انتهاج ذات السبيل رغم فشله المريع والمتكرر طوال العقود العشرة الماضية على الأقل، ورغم نتائجه الكارثية عالميا، بل وفي الداخل الأمريكي أيضا.
إن الولايات المتحدة بتشبثها بالعصا الغليظة في تعاملها مع العالم، تؤكد إفلاسها المعنوي، وتعجل بانتهاء زمنها الإمبراطوري.
فهل نحن مستعدون لعصر ما بعد إمبراطورية العم سام الفاشل؟!
الزواج المختلط: نهاية وهم النقاء العِرقي!
ما حدث للبشر في السنوات الثلاثين الأخيرة يكاد لا يُصدق، فثورة الاتصال والسهولة المطردة في التنقل والقدرة التكنولوجية الفائقة على الترجمة بين اللغات بسرعة ودقة، جعلت البشر يتقاربون بإيقاع لاهث لم يكن مألوفا خلال آلاف السنوات السابقة من عمر الحضارة الإنسانية.
فصار انتشار الزواج المختلط بين أصحاب الأعراق المختلفة، والأديان والجنسيات المتباينة، أحد مظاهر العولمة الشاملة التي تعيد ترتيب المجتمعات البشرية، على أسس إنسانية لا تعترف بالتفرقة العنصرية أو الدينية..
كما أن الانتشار الكثيف لأجيال من الخلاسيين (المهجنين الناتجين عن زواج مختلط بين عرقين أبيض وأسود مثلا) صار التكذيب العملي لأوهام النقاء العرقي التي سببت للبشرية الكثير من الويلات والآلام في الماضي، ربما كان أفظعها هو الحرب العالمية..
لكنه قد يكون سيفا ذا حدين بالنسبة للأفراد:
- فمن ناحية إيجابية يوسع الزواج المختلط من أفق طرفيه، ويدفعهما لإبداء المرونة في التعامل مع الاختلافات الثقافية والحضارية، ويؤهلهما لقبول الآخر بكل خصوصيته وتفرده.
- لكن الزواج المختلط، ومن ناحيته السلبية يزيد من فرص التصادم الناجم عن سوء الفهم بين طرفيه، نظرا لاختلاف نظرة كل طرف إلى العالم، ولتباين العادات والتقاليد الموروثة.
لكن المؤكد أن الزواج العابر للأعراق والحدود والأديان واللغات هو اختيار شخصي خالص لمن يُقدم عليه!
لكنّ هناك أمرا واحدا سلبيا للغاية بالنسبة للمجتمع الذي تزداد نسبة الذكور من شبابه الذين يتزوجون زواجا مختلطا بشابات من جنسيات أخرى، فكل شاب عربي مثلا يختار زوجة أجنبية له، يترك فتاة عربية دون زواج، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات العنوسة بين الشابات العربيات، وما أخطر ذلك على المجتمع وعلى أفراده، لكن مواجهته لا تكون إلا بحملات التوعية، دون حظر يسير عكس اتجاه حركة الحياة. إن على شعوبنا ومجتمعاتنا العربية التعامل مع ظاهرة الزواج المختلط بواقعية، ودون محاولات مخجلة لدفن الرؤوس في الرمال، لنتمكن - ما وسعنا ذلك - من مضاعفة إيجابياتها والتقليل من سلبياتها.وعلينا قبل كل شيء التحرر من وهم النقاء العِرقي.