جريمة الأحساء.. جريمة بحق الوطن كله

ليس أقسى على المسلم المعتدل من أن يرى فئاما من إخوانه وبخاصة من فئة الشباب يرفع راية الإسلام، ويدعو إلى تطبيقه في شتى شؤون الحياة.. لكنه يضل الطريق؛ فيغلو في دين الله غير الحق.. فينتهج منهج الغلاة من التشدد في الدين والتطرف فيه، ويدفعه التهور والجهل أو التعالم وربما العاطفة الجياشة إلى التكفير، وركوب مطية العنف والإرهاب والتفجير.. مستبيحاً الدماء المعصومة، ومنتهكاً الحرمات.. زاعماً أن هذا يخدم الدين، ويصلح حال المسلمين، ويوصل للغاية المبتغاة - في تقديره وظنه - وهو نصرة الإسلام وأهله.. وما يدريه أنه بذلك يكون لقمة سائغة لأعداء الدين، وخادماً لذوي المآرب السياسية والشخصية وغيرها.. من المنتسبين إلى هذا الدين زوراً وبهتاناً، والمتذرعين به لتحقيق مآربهم الخبيثة، وأطماعهم السيئة.. 
والإسلام دين الجماعة والائتلاف وترك التحزُّب والافتراق فالتزام الجماعة بمفهومها الشرعي.. وتحقيق وسائل المحافظة عليها.. والتحذير من مخالفتها.. عصمة ــ بعد توفيق الله وعونه ومنّه وفضله ــ من الفتن والتطرف والانحراف عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده، وشرعه القويم الذي أمر بالتحاكم إليه.. وفي هذا كله تجنب للأمة من التشرذم والتشتت والتفرق والتحزب والطائفية.. بل من الغلو والتطرف والإفراط والتفريط.. وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، كما أن الإسلام دين السلام؛ والسلام موطن لتهدئة النفوس وإزالة الأضغان، وتقريب القلوب، والبعد عن النفرة والاختلاف.. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم». 
وهذا بخلاف الإرهاب المبني على التخويف والترويع والقتل والتشريد والتطرف والغلو.. والذي ليس له وطن أو مكان أو زمان أو وقت أو مذهب أو دين.. فمن يحمل هذا الفكر لا يكف عن الإجرام بحق الأمة والإنسانية والوطن فضلا عن أهل الملة والديانة.. فأولئك الإرهابيون مجرمون في حق أوطانهم ومجتمعاتهم، وهم يحاولون فتح ثغرات في جدار وحدة الوطن واجتماعه وأمنه واستقراره.. 
فالجريمة الإرهابية الآثمة التي نفذت في قرية الدالوة بمدينة الأحساء مساء الاثنين الماضي نفذت لهذا الهدف، وهي في الحقيقة جريمة بحق الوطن كله بجميع فئاته وطوائفه ومذاهبه قبل أن تكون جريمة بحق شريحة معينة من شرائح المجتمع السعودي، والمستهدف بها هو الوطن كله ووحدته الوطنية، ونسيجه الاجتماعي، وزعزعة أمنه ولحمته واستقراره.. والذين يقفون وراء هذه الجريمة النكراء من مخططين ومنفذين هم في الحقيقة أعداء الوطن وأمنه وسلامته واستقراره، ولذا لاقت هذه الجريمة البشعة المسيئة شجباً واستنكاراً وإدانة من جميع فئات المجتمع الذين أجمعوا على أن المستهدف بها الوحدة الوطنية والوطن بجميع مكوناته ومكتسباته.. وهذا مما يثلج الصدر، ويسبب خيبة أمل كبيرة لمن خططوا لهذه الجريمة النكراء ونفذوها..
ولعل من نافلة القول أن نبين أن هذه الجريمة الشنيعة محرمة في الشريعة جملةً وتفصيلاً.. ومخالفة لمقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض.. إذ الشريعة لا تبيح قتل المعصومين من المسلمين والذميين والمعاهدين والمستأمنين.. أو الاعتداء عليهم أو تخويفهم أو ترويعهم أو إيذائهم بأي وجه من وجوه الإيذاء.. فضلاً عن أن يكون المعتدى عليه مواطناً مهما كان انتماؤه المذهبي أو الطائفي، وهي حرابة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، واعتداء على أمن الوطن وسلامته واستقراره وخروج على ولي الأمر.. والجهة الإرهابية التي نفذتها فئة ضالة يجب محاربتها، والضرب على المعتدين بيد من حديد.
ونحمد الله أن الجرائم الإرهابية التي ارتكبت ضد هذا الوطن الغالي المعطاء قبل هذه الجريمة ــ كما هذه الجريمة الآثمة ــ لم تفت من وحدته أو تؤثر على لحمته ونسيجه الاجتماعي كما أثبتت أن هؤلاء المجرمين المعتدين الظالمين المرهبين لن يفلتوا من العقاب أو من وجه العدالة. 

- رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد