أبو قدّور !
الاثنين، ١٠ نوفمبر ٢٠١٤كلّما طَغَى الماء على اليابسة في يوم مطير، تذكرت سيل «قويزة» الذي كشف الحال المائل الذي كانت عليه «جدة»، حينما «خبصها» المُخطِّطون» وجعلوا الناس يبنون في الأودية بإذن ومباركة «البلدية»!
اليوم، كلّما شكى الناس من تحويلات بناء الأنفاق والجسور الكثيرة في شوارعها، قلت في نفسي إذا صبرت «جدة أُم الرخا والشِّدة» على الإهمال زمنًا طويلاً فأولى بها أن تصبر على علاج قلبها المفتوح.
وتاريخ جدة، مع تضاريسها الطبيعية أو المُحدثة، يجعلها «تغرق في شبر موية».. ولن أنسى ـ في طفولتي ـ سيلها الكبير، يومها تحوّلت بقايا «العيش الناشف» الذي كان طعاماً للغنم إلى «جاتوه»، يتلذذ بأكله من يعثر عليه.. كانت هذه الكارثة أكبر مناسبة للرضاع الجماعي.. فقد كان الرُضّع ـ يا حليلهم ـ يتنقلون من ثدي إلى ثدي.. إن أمهاتنا في البغدادية كثيرات يا ولدي!
....
بدأت «الزبادي والقدور» تَغرُف مياه الغُرف إلى الخارج فيعود من الشقوق، وكنا لم نتعرف بعد على نظرية «الأواني المستطرقة».
كانت جرّة فول «أبو قَدُّور» قد أخذت طريقها بعد أن خرجت من باب «الحوش» وهو يتبعها بنظره قبل أن يلقي بنفسه في الماء ليعبر «مانش البغدادية».. كل الناس يحبون «عبدالقادر» لكن أياً منهم لم يفكر أن يلقي بنفسه في اليَمّ من أجل سواد عينيه.. لم يمت يومها لأن الموت لم يحن وقته، وبقيت له أربعة عقود من «الشهيق والزفير».
وطلع الفجر، وكنّا ننتظره بما بقي من الصّبر.. لا يمكن أن يشعر برعب مداهمة السيل في الظلام إلا من عاش تلك الساعات الطويلة من الفجيعة..
لم تبلع الأرض الماء، ولم تقلع السماء، لكن النور جاء باحتفاء عظيم!