وثيقة جيتس تعيد أوباما إلى العراق

مصادقة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على إرسال 1500 جندي إضافي إلى العراق لتدريب القوات الحكومية لمحاربة داعش، تمثل نقلة نوعية وليست عددية في الحرب على الإرهاب لا سيما الأخذ بنصيحة وزير الدفاع تشاك هيجل بإنشاء مراكز تدريب في شمال العراق وغربه وجنوبه.
العودة إلى العراق مجددا تتطلب الإطلاع على أهم وثيقة استراتيجية للدفاع القومي الأمريكي تحمل بصمات وزير الدفاع الأسبق روبرت جيتس منذ توليه منصبه في 2006، والتي دعت المؤسسة الأمريكية لإتقان حرب غير عادية بدلا من التركيز على الحروب التقليدية ضد دول أخرى.
ولا يستطيع أي قائد عسكري أمريكي اليوم أن يتجاوز هذه الوثيقة، وإنما أصبحت خارطة الطريق في الحرب على الإرهاب وحسب تعبير جيتس «إن الأمة يجب أن تسخر مصادر القوة العسكرية والمرنة لدحر عدو معقد ومتحول».
وتدعو لموازنة المخاطر بين التهديدات غير التقليدية والحرب التقليدية التي تتضمن جيوشا متنافسة ومواجهات بأسلوب الحرب الباردة.
وفي تصديره لهذه الخارطة كتب جيتس «إن هذه الوثيقة مخطط نجاح للإدارة القادمة، خاصة وأن الحرب في العراق وأفغانستان تمثل نوعا من القتال الذي سيجابه الولايات المتحدة في السنوات المقبلة، لكننا لا يمكن أن نغفل عن المفاهيم الضمنية لخوض حرب طويلة الأمد ومتعددة الجبهات، أكثر تشعبا من مواجهة الحرب الباردة».
وهي تقريبا نفس الكلمات التي استخدمها أوباما في خطاب الحرب على داعش في 11 سبتمبر 2014 «حرب طويلة المدى وممتدة ومختلفة لا تعترف بالحدود الجغرافية – السياسية».
ورغم أن جيتس يعتنق مصطلح «الحرب الطويلة» الذي اعتمده سلفه وزير الدفاع الأسبق دونالد رمسفيلد لمعادلة القتال ضد الإرهاب، فإن استراتيجيته تختلف عن استراتيجية رمسفيلد في أنها لا تركز على العمل العسكري الاستباقي، وبدلا من ذلك تشجع القادة الأمريكيين للعمل مع الدول الأخرى على محو الظروف المعززة للتطرف، وهو ما قام به أوباما بالفعل حين دعا التحالف الدولي وفي المقدمة السعودية للشراكة في محاربة الإرهاب أيديولوجيا إلى جانب القوة العسكرية.
قبل أكثر من أربعين عاما، صدر كتابان على درجة كبيرة من الأهمية، أعيد طرحهما الآن للنقاش داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، الكتاب الأول بعنوان «حتى يحل السلام» وصدر في نيويورك 1968 لمؤلفه نايجل كالدر، وفيه يستشهد بما كتبه الجنرال أندريه بوفر في كتابه «الحرب الكلاسيكية»، إذ يقول «إن الحرب لم تعد ممكنة إلا في تلك الأجزاء من العالم التي لا يلعب فيها الردع النووي أي دور، وحتى هذه الحرب التقليدية، على الرغم من أهوالها، ستكون محدودة بواقع أن التهديد الماثل دوما بالتصعيد، من شأنه أن يؤدي إلى حرب نووية».
أما الكتاب الثاني ففيه فصل المقال في مسألة الحرب، وعنوانه «تقرير من جبل الفولاذ» وصدر في نيويورك 1967، يقول «إن الحرب هي حق لا مفر منه من أجل مسار مجتمعاتنا، بحيث سيتوجب علينا لإزالة الحرب، أن نكتشف وسائل لحل مشاكلنا تكون أشد وأكثر قدرة على القتل».
وهذا المبدأ الأخير أصبح مشكوكا فيه إلى حد كبير‏، ذلك لأن التهديد والتدمير اليوم لا تمارسه الجيوش في ساحات معروفة للقتال،‏ وإنما يعتمد على منظمات غير معروفة العنوان أو الهوية،‏ وبالتالي أصبح من الصعب ردعها أو التأثير فيها،‏ وهو ما يؤكد أننا أمام مفهوم جديد للحرب يتناقض مع منطق القتل التقليدي.
والأمر الثاني توظيف الأيديولوجيا والدين في نشر ثقافة العنف والتعصب، وتكفير الآخر وإهدار دمه،‏ وهي الثقافة التي تتسلل من الحواجز الجمركية والبوابات الالكترونية،‏ وتنتشر عبر الميديا ووسائل الاتصال، وبالتالي لا تصلح معها الحرب الوقائية.
«لقد أصاب من قال إن السلاح النووي لم يعد هو السلاح الوحيد الذي يهدد السلام العالمي، وإنما الإرهاب بشتى صوره، والمطلوب إعاده تأهيل ثقافي طويل المدى، فالقضاء على الإرهاب كفعل ليس كافيا، ولكن كثقافة هو الأهم».